
يعيش مجتمعنا علي وقع جملة من التناقضات و المفارقات علي جميع الأصعدة و في كل الإتجاهات .
نتيجة عدم الإدراك و الوعي بشروط الحياة الكريمة المبنية علي الأخلاق و إحترام الثوابت الدينية و الوطنية ،
في ظل مانراه من تحولات إجتماعية عميقة تستهدف نمط الحياة من عادات و تقاليد ضمن تغيرات طارئة علي مستوي العقليات و السلوك و القيم .
و ظهور ممارسات شاذة طغت علي السطح كالنفاق الإجتماعي المنتشر لدينا في مختلف مناحي الحياة و في كل المناسبات و التملق و الكذب و تزييف الحقائق و المعطيات و تفشي الفساد و عدم الإكتراث بالوطن و المصالح العامة .
أمام إنتشار واسع لعولمة غزت البيوت و أستباحت أعراض الناس و أنتهكت خصوصيات الأشخاص و الأفراد و العوائل و الأسر و كشفت المستور دون وجه حق .
بشكل غير مسبوق أصبح يهدد الهوية و الخلفية الثقافية و الدينية للشعب ،
إننا في محيط إقليمي و دولي نؤثر كما نتأثر .
و نعيش حقا عصر التناقض و إزدواجية الشخصية نبيح ما يروق لنا و نحرم ما يتعارض مع مصالحنا .
فسياسات و قرارات الحكومة قد تتعارض احيانا مع توجهات الدولة ،
فمراعاة التوازنات القبلية و الجهوية ضمن السياسات العامة للحكومة علي الرغم من كونها أداة إستقرار مؤقت فإنها تتعارض مع مبدأ الحد من النفوذ القبلي و الجهوي و تعرقل الإنتقال نحو الدولة المدنية القائمة علي المواطنة.
بحيث تعتبر في جوهرها ممارسة تعيد إنتاج النفوذ القبلي و الجهوي و تمنع تجاوزه ،
مما يجعلها عامل إستقرار ظاهري يعيق الإصلاح الوطني الشامل .
في حين يعد إعتماد اللغة الفرنسية بشكل فعلي كلغة إدارية و عملية علي حساب اللغة العربية لغة الدستور الرسمية ،
تناقضا سياديا و ثقافيا حادا .
ينظر لهذا التوجه علي أنه تجاوز للواجب الدستوري مما يضعف الهوية الوطنية و يؤخر تعريب الإدارة و المؤسسات و يكرس تبعية لغوية و ثقافية بدلا من السيادة اللغوية .
فما نعيشه اليوم من تناقض إجتماعي و خلقي و سلوكي أدي إلي إزدواجية الفقر مع الغني .
فالكل منا لا بد أن يكون غنيا
فالغني عند هؤلاء المتناقضين مشاع ليس له علاقة بالمهنة مهما كانت بسيطة أو وضيعة أو فاضلة .
فالمعلم أو الموظف يمكن أن يكون مدرسا في الصباح أو سائق أجرة أو مضاربا في الأسهم أو متاجرا في الأسواق بالمساء أو أثناء الدوام فلا يعفيه مبدأ أو إلتزام و لا قدوة أو فضيلة .
فالأخلاق و القيم و الثوابت أصبحت في أيامنا تقرأ و لا تكتب تسمع و لا تترجم لواقع ملموس فهي في نظرة بعض المراقبين إلتزام تجاوزه الواقع المعاش و تاريخ عفا عليه الزمن .
و لو أدي ذلك للتعدي علي حقوق العامة و الخاصة .
فالغاية عندهم تبرر الوسيلة و المعاملات منفصلة عن العبادة و حب الوطن .
لدرجة أن المواطن البسيط يمسي فقيرا و يصبح ثريا ثراءا فاحشا مجهول أو معلوم المصدر دون مساءلة قانونية تذكر
في ظل الإفلات من العقاب و التهرب الضريبي رغم الشكوك و التهم القائمة .
‐ نحن مجتمع يمنع فيه إستهلاك الكحول و المخدرات و مع ذلك تنشط عبره عمليات تهريب نفس المواد السامة و الضارة و توزيعها و المتاجرة فيها علي نطاق واسع داخل محيط مدارسنا العمومية و في الأسواق و داخل أوساط الشباب كما أكد في وقت سابق مسؤول حكومي كبير أمام البرلمان من أهل الإختصاص ،
و ذلك منذ أمد طويل بدليل ما يتم رصده و ضبطه من كميات كبيرة و هامة في حالات تلبس من حين لآخر من طرف عناصر الأجهزة الأمنية.
تكيف قضائيا و تختزل تارة في شخصيات خارجية دون غيرها من كبار القوم من أبناء الوطن .
‐ نحن مجتمع ينبذ الغش في الخطاب لكن يطبع معه بسهولة في الواقع : في العمل ، المعاملات المسابقات ، االإمتحانات ..
يجد له كل التبريرات الممكنة .
نحن مجتمع في الوقت الذي يتحفظ و ينتقد فيه البعض المحتويات الهابطة و التافهة عبر وسائل التواصل الإجتماعي نجد أن هذه المنصات تحظي بمتابعة كبيرة
‐ نحن مجتمع لا يطالبك بإحترام ضميرك الشخصي بل بالخضوع لرقابة الجماعة ، افعل ما تشاء لكن في السر .
نحن مجتمع تخلي عن قيمه المجتمعية فتصدر التافهون فيه المشهد الوطني أمام تراجع دور المدرسة و الأسرة و رجال الدين .‐
نحن الوطن الوحيد الذي تسرق فيه أموال الشعب و تنهب بالجملة علي مرأي و مسمع من الجميع تصنع نخبة فاحشة الثراء قوامها صقور السياسة و كبار الموظفين و المطبلين المسؤولين .
في الوقت الذي ظهرت فبه داخل المجتمع شريحة محدودة من رجال المال و الأعمال فاحشة الثراء أكتسبت أموالها بطرق مشبوهة خلال فترات زمنية قصيرة و في مراحل متباينة
بحكم الزبونية و المحاباة و القرب من أصحاب النفوذ و الإستحواذ علي الصفقات و التحكم بالأنشطة الإقتصادية و الأسواق الرئيسية دون مساءلة أو إثارة من أي كان ؟!
‐ نحن مجتمع طغت عليه المادة و تراجعت فيه القيم المجتمعية يهتم بالمظاهر الكاذبة مما يدفع الفقراء علي غرار أغنياء البلد إلي الإسراف و البذخ و عدم الإهتمام بالحرص و الإقتصاد في المصروف .
صحيح نحن شعب نكره و ننبذ الفساد ،
لكن نتعايش معه بإنتظام حكومة و شعبا ،
بحيث أن المفسد فينا أو المشمول في تقارير الهيئات التفتيشية و الرقابية أو المقال من عمله أو وظيفته نتيجة سوء تسيير أو تدبير أو فساد أو نهب أموال الشعب المطحون.
يلقي حماية من أصحاب النفوذ السياسي و المالي و شيوخ القبائل،
و يستقبل داخل أوساطه الإجتماعية بالزغاريد و ضرب الطبول و بحفاوة في جو من الإحتفالات الرهيبة علي مرأي و مسمع من السلطات و من الجميع.
كأنه بطل قومي حظي باستراحة محارب نبيل في انتظار تدوير قادم أو ترقية في مناصب حكومية عليا.
هذا هو السلوك الذي أصبح جزءا من الممارسات اليومية و التقاليد الراسخة داخل البلاد .
نحن من بين البلدان القليلة داخل محيطنا الإقليمي رفعت شعار إصلاح قطاعي التعليم و الصحة عبر المدرسة الجمهورية الحاضنة للجميع و تحسين الخدمات الصحية ضمن إصلاحات جوهرية كبيرة ،
إلا أنه بالمقابل نجد أن كبار الموظفين و المسؤولين لدينا و مختلف نخبنا الوطنية تسجل أبناءها في المدارس الخصوصية الأجنبية ،
كما أن الأطباء أيضا و غيرهم من موظفي و مسؤولي هذا البلد نجدهم في أبسط الحالات المرضية يتعالجون و يعالجون أسرهم و أبناءهم في أكبر المستشفيات خارج البلاد .
كيف إذن يصدق المواطن المطحون جدية الإصلاح ؟
نحن بالمختصر شعب قصير الذاكرة سريع النسيان !
نحن شعب غريب كل شئ فيه يدعو إلي الإستغراب ، حيث
من الغريب أن يشعر المرء الغربة في وطنه
بينما كان من الطبيعي أن يستشعر وجوده فيه ،
فكما قال نجيب محفوظ : أشد انواع الغربة هو ما تشعر به في وطنك ! .
نحن مجتمع مبني علي كل التناقضات في انتظار مآلات نجاحات مأمورية شباب شعارها الأول و تحديها الأبرز هو محاربة و مواجهة الفساد في كل تجلياته و تمكين الشباب و خلق تنمية مستدامة إنطلاقا من إنزال و إسقاط مقاصد البرنامج الإنتخابي ( طموحي للوطن ) علي أرض الواقع ،
الذي سبق و أن تعهد به فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
خلال الإنتخابات الرئاسية الأخيرة.
دخل حيز التنفيذ مع بداية المأمورية الثانية و قطع أشواطا متقدمة في مجالات تنموية واسعة و متباينة و قطاعات حيوية كبيرة و كبيرة جدا ،
لامست في معظمها تطلعات وهموم المواطن .
أملا في الخروج بنتائج إيجابية و رؤي توافقية ضمن مخرجات حوار وطني جامع و شامل علي الأبواب تم التحضير له بشكل جيد و محكم دون إقصاء أو شرط و بمشاركة معظم الأطراف و الفاعلين السياسيين،
تم الحصول علي كل الضمانات المطمئنة خلال لقاء جمع فخامة رئيس الجمهورية بالمعارضة المحاورة و هو ما يؤكد اهمية و جدية الحوار ،
ستثار فيه بالطبع كل القضايا الوطنية العالقة دون تحفظ مع تقديم الحلول المناسبة
و ضرورة تغليب المصلحة العليا للوطن علي المصالح الضيقة .
و هو ما قد يؤسس لمرحلة جديدة من البناء و الوئام و التلاحم و تعزيز الوحدة الوطنية .
ما نراه اليوم من تناقض و تبريرات في المواقف و الإتجاهات الفكرية و العقائدية مرده التشدد بالطبع و التنطع.
يرجع إلى تفكك القيم و تسيب السلوك و إنحلال الخلق بكافة أنواعه .
ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضي هو إصلاح شامل قائم علي التعليم و العدالة الإجتماعية و الإلتزام بالثوابت الدينية و الوطنية و القيم المجتمعية .
خاصة أن التناقض لدينا أضحي صفة مميزة لمجتمعنا .
في وقت أصبح فيه الهدم أسهل من البنيان ،
خاصة مع تحول القيم إلي شعارات ترفع علي واجهات المحلات و ترمز و تروج لسلع و بضائع معلبة ،
فمادامت النزاهة نوع من الشاي "الوركه" "والفضيلة "بطارية هاتف" والسلام "بقالة" و الصدق "ميشلان" و التسامح "مسمكة" والعدالة "فريق رياضي" والكرامة "حزب "سياسي " والإتقان "مغسلة" والخير "مدجنة أو مجزرة" والوطنية "قناة" والمقاومة "شارع" ودار النعيم "سجن"
فاعلم أنه قد اختلطت المفاهيم، وتشوهت القيم، وأصبح لكل فضيلة وعمل نبيل ثمن يباع ويشترى في أسواق المصالح.
نحتاج إلى يقظة الضمير و إعادة ترتيب الأولويات لتستعيد القيم معانيها الحقيقية ،
إن الحياة تدور بشكل دائري فإذا انهارت الأخلاق و القيم المجتمعية انهار بالضرورة كل شئ .
فإنهيار القيم عامل لسقوط الأمم !!
حفظ الله موريتانيا
اباي ولد اداعة .


