اللغة العربية والإشعاع المحظري

عرفت مختلف المناطق الموريتانية في القرنين الـ18 والـ19 نهضة ثقافية عربية إسلامية جعلت منها منارةً ثقافية لم يقتصر إشعاعها على جزء هام من أفريقيا الغربية، وإنما شمل كذلك المغرب والمشرق العربيين. فقد درّس بعض الأساتذة الموريتانيين الأجلاء في الجامع الأزهر بالقاهرة، والذي يعد أعرق جامعة عربية إسلامية وأبرزها. وعُرف أولئك العلماء بالشناقطة نسبةً لمدينة شنقيطي الآدرارية، وهي تسمية أطلقها إخوتنا المشارقة على بلادنا قبل استقلالها تحت اسم "الجمهورية الإسلامية الموريتانية". واشتهر علماء موريتانيون آخرون في مكة المكرمة والمدينة المنورة والأردن والسودان وتركيا وغيرها. وفي موريتانيا نفسها، وفي منطقة النهر بوجه خاص، عرفت تلك النهضة الثقافية أسطع تجسيد لها في ميلاد الدولة التيوقراطية المامية في فوته. وقد تتالى على رأس هذه الدولة أربعة وخمسون «مامياً» (إماماً). وكان يشترط في المامي أن يكون أعرف هيئة الناخبين، والمؤلفة أساساً من العلماء، بالمعارف الإسلامية وباللغة العربية. ومعنى ذلك أن اللغة العربية كانت، قبل وجود اللغة الفرنسية، لغة التواصل المكتوبة الوحيدة لا في بلادنا فحسب، وإنما كذلك في شبه منطقتنا بل وبالنسبة للجزء الأكبر من قارتنا.
وخاضت جمهورية فوتة التيوقراطية مقاومة عنيدة وبطولية ضد التغلغل الفرنسي. وكثيراً ما استنجد الأئمة الفوتيون بحلفائهم البيضان فى إمارتي الترارزة والبراكنة وغيرهما خلال حروبهم مع الغازي الفرنسي. وانتصر الفرنسيون في الأخير وحطموا نهائياً إمامة فوته.
وعليه، فإن المراسلات في شمال موريتانيا وفي جنوبها كانت تتم إلى وقت قريب باللغة العربية فقط، سواء أكان ذلك بين الخواص أو بين الزعماء والمجموعات أو بين الزعماء ورعاياهم.. إلخ.
وكان يُسعى إلى معرفة اللغة العربية سعياً في أعماق البلاد، سواء على مستوى المزارعين المستقرين في الجنوب أو على مستوى المنمين البداة في باقي موريتانيا. فالعارفون باللغة العربية في ضفة النهر وفي غيرها من مناطق البلاد كانت لهم منزلة اجتماعية متميزة -وما تزال- حتى ولو لم تكن لهم وظيفة محددة من تعليم وكتابة وقضاء وإصلاح ذات بين وإمامة مسجد مدينة أو قرية وغيرها. وبوسع الشخص الواحد أن يقوم بمختلف هذه الوظائف. وما ذا نقول عن مكانة الزعماء الدينيين ونفوذهم الكبير المرهون بمعرفتهم اللغةَ العربية التي تمكّنهم -وحدها- من معرفة القرآن والسنّة وغيرهما من النصوص الشرعية؟
أما في موريتانيا الناطقة بالحسانية، فإن العارفين فيها كانوا يتلقون معارفهم في المحاضر وما زالوا إلى اليوم وإن كان بأعداد أقل شيئاً فشيئاً. وتعتبر هذه لجامعات البدوية المتنقلة من خصوصيات بلادنا والمناطق المماثلة لها في الصحراء الغربية وأزواد في شمال جمهورية مالي الحالية، ولا نجد لها مثيلا في بقية العالم. وكانت توجد في ضفة النهر وما تزال -ولو بعدد أقل شيئاً فشيئاً- مدارس عربية تلائم المستقرين، كانت وما تزال تكوّن إطارات ناطقين بالعربية.

المختار ولد داداه / «موريتانيا على درب التحديات» [قد تكون صورة ‏نص‏]