تحولات مذهلة يقودها الذكاء الاصطناعي

على أعتاب عصرٍ جديد، نشهد منذ سنوات تحولاً مذهلاً يقوده الذكاء الاصطناعي (AI)، وهي ظاهرة تتناغم تماماً مع الرؤية الاستشرافية للاقتصادي جوزيف شومبيتر في أربعينيات القرن الماضي. ففي نظريته الجريئة حول «التدمير الخلّاق»، لم يعتبر شومبيتر الابتكار مجرد إضافة للنظام القائم، بل قوة قادرة على إعادة صياغة النظام الاقتصادي من جذوره. واليوم، تتجسد هذه الرؤية أمام أعيننا بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد تكنولوجيا متطورة، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل المشهد المهني برمّته.

في هذا السياق، تشير الإحصائيات الحديثة إلى عمق هذا التحول: فبحسب دراسة لشركة PwC، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف ما يصل إلى 15,7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، وهي قفزة هائلة تفوق الناتج المحلي الإجمالي الحالي لكلٍّ من الصين والهند مجتمعتين. كما يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أنه بحلول نهاية عام 2025، سيكون الذكاء الاصطناعي قد أسهم في خلق 97 مليون وظيفة جديدة مقابل اختفاء 85 مليون وظيفة. هذه الازدواجية تعكس بوضوح أثر الذكاء الاصطناعي المزدوج: التهديد من جهة، والفرص اللامحدودة من جهة أخرى.

لقد حاولتُ هنا تسليط الضوء على هذه الثورة «الشومبيتريّة»، محللاً ليس فقط التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً الاستراتيجيات اللازمة للنجاح في سوق عمل يُعاد تشكيله جذرياً بفعل هذه التكنولوجيا.

في كتابه الرائد «الرأسمالية، الاشتراكية والديمقراطية»، وصف شومبيتر الابتكار بأنه قوة «التدمير الخلّاق»، حيث «تولد البُنى الاقتصادية الجديدة من رماد البُنى القديمة». واليوم، يجسّد الذكاء الاصطناعي هذه الديناميكية بفضل خوارزمياته المتقدمة وتقنيات التعلّم الآلي. إنه بالنسبة للابتكار بمثابة ما كانت عليه الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر: نقطة تحوّل حاسمة. فالذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف قطاعات متعددة: من الصحة، حيث يتيح تشخيص الأمراض بدقة غير مسبوقة، إلى المالية حيث يحدث ثورة في إدارة المخاطر، مروراً بالتعليم والإنتاج.

ويؤكد تقرير لمكتب ماكنزي الاستشاري العالمي أنه «بحلول عام 2030، يمكن أن تتم أتمتة ما يصل إلى 30% من ساعات العمل على مستوى العالم». ورغم أن هذا التحوّل قد يبدو مقلقاً للبعض، فإنه يفتح في الوقت نفسه آفاقاً واسعة للابتكار والنمو. وكما تنبأ شومبيتر، فإن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد إضافة، بل هو إعادة هندسة شاملة للمشهد الاقتصادي والمهني.

ومع ذلك، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في عالم العمل يمثل سيفاً ذا حدين: فمن جهة، تهدد الأتمتة بعض الوظائف التقليدية التي ستؤول لامحالة إلى الزوال على المدى القصير، ومن جهة أخرى، تظهر فرص جديدة تتطلب مهارات غير مسبوقة. فالمهن المرتبطة بتحليل البيانات، وبرمجة أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة الأنظمة المؤتمتة، تشهد نمواً متسارعاً على سبيل المثال. وهذه المجالات التي كانت تُعدّ يوماً «متخصصة» أصبحت اليوم مركزية في اقتصاد المستقبل. وتشير تقديرات PwC إلى أنه بحلول عام 2030 سيتم خلق نحو 50 مليون وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل إتقان هذه المهارات ليس خياراً بل ضرورة حتمية.

وهذا يعني أن على المجتمعات إعداد الأجيال الجديدة لـ «وظائف الغد»، في عالم لم تعد فيه مهارات الأمس ضمانةً للنجاح.

إن التكيّف مع عصر الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على اكتساب المهارات التقنية الجديدة، بل يتطلب أيضاً تغييراً جذرياً في طريقة التفكير والتعامل مع المشكلات والتحديات. فبالنسبة للأفراد، يعني ذلك تبنّي عقلية التعلّم المستمر، حيث تصبح المرونة والقدرة على التكيف من أهم مقومات النجاح. أما بالنسبة للشركات، فيكمن التحدي في إعادة هيكلة نماذج أعمالها، ليس فقط لدمج الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً للاستفادة القصوى من إمكاناته التحويلية.

إن المستقبل كما نراه سيكون قائماً على مهن شديدة الترابط، حيث لن تكون الشراكة بين الإنسان والآلة مجرد خيار عملي، بل ركيزة أساسية. وفي هذا السياق، سيغدو التعليم والتدريب المستمر عاملاً حاسماً.

إن الثورة «الشومبيتريّة» التي يقودها الذكاء الاصطناعي ليست مجرد نقلة تكنولوجية، بل هي تحوّل جذري في بنية سوق العمل، يضعنا أمام طيف واسع من التحديات غير المسبوقة والفرص غير المحدودة.

ومن هنا، فإن دور السياسات العامة يجب أن يتجاوز مجرد إعداد المهنيين والطلاب لعصر الذكاء الاصطناعي، ليتمحور حول تحويلهم إلى روّادٍ لهذه المرحلة الجديدة، مزوّدين بالمعرفة والرؤية لقيادة التغيير وإلهامه.

أما الهدف الأسمى، فيتمثل في إدماج الطلاب والمهنيين في بيئةٍ يكون فيها الابتكار والإبداع والرؤية الاستراتيجية في صميم كل عملية تعلم، لبناء مستقبل يتجلى فيه الذكاء الاصطناعي لا بوصفه مجرد أداة، بل قوة مبدعة تُسهم في بناء عالمٍ يتقدم فيه الإنسان والتكنولوجيا بتناغم ووئام.

بقلم/ الدكتور، سيدي محمد الذاكر.