
يواجه المسار الديمقراطي في موريتانيا تحديات جسيمة تمس جوهر العقد الاجتماعي، تتجسد في محاولات الالتفاف على المواد الدستورية المحصنة المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية ومدتها. لقد مثلت تعديلات 2006 ميثاقاً وطنياً حصّن هذه المواد ضد أي مراجعة، وألزم رئيس الجمهورية بيمين صريحة تمنعه من دعم أو تبني أي مبادرة تهدف إلى تغييرها، حيث نصت على:
"أقسم بالله العلي العظيم أن أؤدي وظائفي بإخلاص على الوجه الأكمل، وأن أزاولها مع مراعاة أحكام الدستور وقوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وأن أسهر على مصلحة الشعب الموريتاني، وأن أحافظ على استقلال البلاد وسيادتها وعلى وحدة الوطن وحوزته الترابية. وأقسم بالله العلي العظيم أن لا أتخذ أو أدعم، بشكل مباشر أو غير مباشر، أية مبادرة من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة مأمورية رئيس الجمهورية وشروط تجديدها، الواردة في المادتين 26 و28 من الدستور".
إلا أن التجربة السياسية كشفت عن نزوع مقلق نحو تطويع الدستور؛ ففي عام 2017، تم تجاوز الرفض البرلماني عبر اللجوء إلى المادة 38 لتغيير العلم والنشيد وإلغاء مجلس الشيوخ، مما أرسى سابقة في توظيف النصوص لخدمة مآرب سياسية عابرة. واليوم، ومع التحضير للحوار الوطني لعام 2026، تتصاعد دعوات من القوى المؤيدة لإدراج المواد المحصنة ضمن أجندة النقاش بدعوى "ملاءمة الواقع"، وسط صمت مؤسسي يبعث على القلق، ورفض معارض حازم يرى في هذه الخطوة تقويضاً للتناوب السلمي على السلطة.
إن حماية هذه الضمانات الدستورية هي صمام الأمان لصون الاستقرار السياسي وحماية السلم الأهلي من هزات الصراع على السلطة؛ فالتداول السلمي هو الجسر الوحيد نحو دولة المؤسسات، وبدونه تظل المكتسبات الديمقراطية رهينةً للتجاذبات الآنية. إن تحصين العهد الدستوري اليوم هو الاستثمار الحقيقي في مستقبل موريتانيا، لضمان انتقال سلس للسلطة يرسخ ثقافة المؤسسة ويُعليها فوق إرادة الأفراد.
محمد علوش القلقمي
