الملاحدة الجدد وأزمة المرجعية: من صراع الحضارات إلى سؤال الأخلاق!! (الحلقة:2)

يحاول الكاتب في هذا المقطع أن يجيب عن سؤالٍ جوهري يتجدد مع كل تحوّل حضاري:
إذا اختُزل الإنسان في الإنتاج والاستهلاك والمنفعة، فمن أين يستمد معيار الخير والشر؟
ينطلق التحليل من أطروحة مركزية مؤداها أن الحداثة الغربية لم تُحدِث تحولاً اقتصادياً واجتماعياً فحسب، بل أحدثت انقلاباً دلالياً عميقاً في تعريف الإنسان نفسه. فبعد أن كان يُعرَّف في التقليد الفلسفي الكلاسيكي – منذ أرسطو – بوصفه «حيواناً ناطقاً»، أي كائناً تتحدد ماهيته بالعقل والتفكير المجرد، أعادت الحداثة – مع تشكّل الاقتصاد السياسي الكلاسيكي عند آدم سميث – بناء النموذج التفسيري للسلوك الإنساني على قاعدة المنفعة والمصلحة، ليبرز مفهوم «الإنسان الاقتصادي» (Homo Economicus).
لا يُفهم هذا التحول – في منظور الكاتب – بوصفه افتراضاً منهجياً داخل النظرية الاقتصادية فحسب، بل باعتباره إعادة تأسيس أنطولوجية لمفهوم الإنسان، حيث تُختزل كينونته في بعدها المادي الإنتاجي، ويصبح الفعل الاقتصادي المحدِّد الأول للوجود الإنساني.
ويذهب الطيب بوعزة إلى أن هذا التحديد الاقتصادي ليس خاصاً بالمشروع الليبرالي الرأسمالي، بل هو مشترك – بنيوياً – حتى مع المشروع الاشتراكي الماركسي، رغم تعارضهما السياسي؛ فكلاهما ينطلق من مركزية البعد المادي في تفسير التاريخ والإنسان. ويعزّز هذا الطرح بالإحالة إلى كتاب الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان لـ عبد الوهاب المسيري، الذي حلّل النزعة المادية بوصفها مساراً قاد إلى تفكيك الإنسان وتحويله إلى وظيفة داخل منظومة إنتاج واستهلاك.
كما يستأنس النص بنقد مدرسة فرانكفورت لـ«العقل الأداتي»، ذلك العقل الذي يحوّل الوجود إلى موضوع للسيطرة والحساب، ويخضع القيم والمعاني لمعيار النجاعة. غير أن الكاتب يرى أن هذا النقد، على عمقه، يظل سوسيولوجياً ما لم يُستكمل بمساءلة أنطولوجية جذرية.
ويُعمّق التحليل عبر المقارنة الرمزية التي أنجزها مالك بن نبي في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي بين شخصيتي:
روبنسون كروزو في رواية روبنسون كروزو لـ دانيال ديفو
وحي بن يقظان في كتاب حي بن يقظان لـ ابن طفيل
تُقرأ قصة روبنسون كروزو بوصفها تمثيلاً للإنسان الذي يملأ فراغه الوجودي عبر السيطرة على الطبيعة وإعادة تشكيلها مادياً: البناء، الإنتاج، التنظيم. بينما ينشغل حي بن يقظان بسؤال الموت والروح والحقيقة، وينتهي إلى معرفة الخالق عبر التأمل العقلي.
ويرى الكاتب أن الفارق الجوهري لا يكمن فيما أخذه ديفو من النموذج الإسلامي، بل فيما حذفه: المسار التأملي الغائي. وهنا يظهر اختلاف نمطي التفكير:
نمط كميّ أدائي يتمحور حول الأشياء والحساب.
ونمط كيفيّ تأملي يجعل سؤال المعنى والغاية مركزياً.
ويعزّز ذلك تحليل ماكس فيبر في كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، حيث رأى في نموذج كروزو تجسيداً للروح التي أسست الرأسمالية الحديثة.
وبذلك ينتهي النص إلى تقرير اختلاف جوهري في الرؤية إلى الإنسان ووظيفته في الوجود:
رؤية تختزل الإنسان في بعده المادي الكمي، وتنتهي إلى تحويله إلى «حيوان اقتصادي»،
ورؤية تجعل سؤال المعنى والغاية مركزياً في تعريف الكينونة الإنسانية.
ومن ثمّ، فإن مفهوم «الإنسان الاقتصادي» ليس مجرد نموذج نظري في الاقتصاد، بل تعبير عن تحوّل حضاري شامل مسّ بنية التفكير، ونمط العيش، وأفق الغايات في الحداثة الغربية…يتواصل...
المرابط لخديم