
سيظل عام 2026 عاما ثقافيا في ذاكرة الأمة الموريتانية مع إعلان الرئيس محمد ولد الغزواني الأول من مارس من كل عام يومًا وطنيًا للتنوع الثقافي، ليضيف بذلك يوما جديدًا ضمن أجندة الأيام الوطنية الموريتانية، وهي خطوة مستحدثة عكست مدى إدراك القيادة السياسية لأهمية التنوع الثقافي كقيمة وطنية أساسية تمثل المرتكز الرئيسي لتعزيز روح الانسجام والتآخي بين جميع المواطنين الموريتانيين على النحو الذى جاء في البرنامج الانتخابي للرئيس محمد ولى الغزواني "طموحي للوطن"، حيث اعتبر أن التنوع ثروة وطنية جامعة يتوافق حولها الجميع بذاكرة وطنية مشتركة.
والحقيقة أن التنوع الثقافي في موريتانيا شأنه شأن اية دولة أخرى يمثل رصيدا حضاريا وكنزا لا مادى تتوارثه الأجيال؛ حيث تستمد منه قيم العيش المشترك والتآخي الإنساني، وإن لعب هذا التنوع الثقافي في موريتانيا دورًا شديد الأهمية، حيث أسهم في ترسيخ قيم التعايش بين المكونات الثقافية واللغوية في المجتمع الموريتاني، تلك المكونات الممتدة بجذورها إلى عصور ما قبل التاريخ كما تثبت الوثائق والآثار المتواجدة في مناطق متعددة في موريتانيا وتعود إلى عصور قديمة، مثل تلك التي في منطقة لزرك قرب الزويرات على مشارف الحمامى.
ومن ثم، لم يكن مستغربًا ان يُخلد الرئيس ولد الغزواني بشكل رسمي يومًا للتنوع الثقافي؛ هدفه تعميق الوعى المجتمعي بالدور الذى لعبه التنوع الثقافي في صون اللحمة الوطنية للدولة الموريتانية على مدار العقود الماضية، كما هدف أيضًا إلى تثمين التراث الوطني وترسيخه في وجدان الأجيال القادمة في ظل ما تتعرض له شعوب منطقتنا، من تهديدات للهوية الوطنية، رغم الحرص الدولي على صونها وحمايتها، فنجد ثمة العديد من المبادئ الأممية التي أرستها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فيما اقرته من اتفاقيتين؛ هما: اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي لعام 2005، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لسنة 2003، وهما بمثابة الإطارين المرجعيين لصون الهوية الثقافية وترسيخ ثقافة الحوار والسلام.
ما نود قوله إن تخصيص موريتانيا يومًا وطنيًا للتنوع الثقافي واللحمة الوطنية، إنما يحمل في طياته دعوة لجميع أبناء الشعب الموريتاني في الداخل أو الخارج، لتعميق البحث في التاريخ الموريتاني وحضارته الممتدة وثقافاته المتنوعة، بما يبنى جسور من التواصل الثقافي ليس فقط بين الأجيال المتعاقبة كما يحلو للبعض المطالبة بذلك، وإنما أيضا بين أبناء الجيل الواحد، وخاصة جيلي (ألفا وزاد) بما يواجهونه من تحديات عميقة وتهديدات خطيرة تستوجب من جميع مؤسسات الدولة وخاصة تلك المعنية بالشأن الثقافي والتربوي وبناء الوعى، أن تضع استراتيجية وطنية شاملة للتنوع الثقافي، تقوم على جملة من المبادئ الرئيسية الهادفة إلى تعزيز ثقافة الانفتاح والتعايش والتماسك المجتمعي، مع وضع سياسات عامة بشأن منطلقات العمل المطلوب، إلى جانب وضع حزمة من الإجراءات والخطوات التنفيذية لتعد بمثابة إضاءات أمام المؤسسات الرسمية والأهلية للعمل في ضوئها، وصولًا إلى الهدف الاسمى المتمثل في تعزيز اللحمة الوطنية لصون تراب الوطن وتراثه.
ياسمين هلالى
الأمين العام للمنتدى المصرى الموريتانى للصداقة والتعاون
