
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نودع اليوم جبلاً أشمّ ومنارة أضاءت عتمة المظالم في موريتانيا لعقود؛ رحل مهندس الدولة ومهندس الحرية، العميد بوبكر ولد مسعود. كانت شاشة "الجزيرة" عام 2009 بوابة دهشتي الأولى، حين أطلّ عبر "الحصاد المغاربي" ليعلن للعالم حقيقة صادمة بكلمتين: "عبد سابق". هزت العبارة كياني، فما كنت أعرف حينها أن في وطني عبيداً، وما كنت أدرك عمق المعاناة خلف ذلك التوصيف. ودارت الأيام حتى التحقتُ بصفوف النضال عام 2011، فعرفتُ هذا العملاق في خنادق الحرية عن قرب، وشهدت صموده في وجه العاصفة.
ففي عام 2012، وتحت دخان "المحرقة" الكثيف، وفي أحلك ظروف الاعتقالات والمطاردات، وقف بوبكر ولد مسعود درعاً بشرياً في مقدمة الوقفات، واتخذ من قاعات المحاكم والمحافل الدولية منصات للضغط على النظام الحاكم، وفضح الانتهاكات أمام العالم أجمع. ورأيته في عام 2014، حين كانت أصداء المحاكمات في "روصو" تزلزل الأرض إثر "قافلة مناهضة العبودية العقارية"؛ واجه القمع بشموخ أمام فوهات البنادق حين انطلقت المسيرة من أمام وزارة العدل باتجاه الرئاسة احتجاجاً على الأحكام الجائرة.
سأظل أتذكر وقفته التاريخية في ساحة الحرية، ديسمبر 2015؛ حين اختلطت دماؤه بتراب الوطن، مصاباً في رجله رفقة المناضل الساموري ولد بي الذي أُغمي عليه من شدة البطش. يومها تجلت معادن الرجال، فقد تلقيا الإسعافات الأولية في عين المكان، ورفض العميد بوبكر رفضاً قاطعاً أن يُنقل إلى المستشفى ويترك رفيقه الساموري مغمى عليه، ليثبت للعالم أن سلميته أقوى من سياطهم، وأن ثباته أرسخ من سجونهم.
لقد كان بوبكر أباً وموجهاً، يعلمنا بحكمة الكبار، ويردد على مسامعنا دائماً: "أنتم لا تعرفون قيمة الناس إلا في الشدائد". وفي مدرسة الوفاء هذه، جاء لقاؤنا الأخير في نهاية عام 2025 بمقر "رابطة النساء معيلات الأسر"، خلال احتفالية تكريم الأيقونة النضالية الرئيسة آمنة بنت المختار؛ وكان لقاءً مفعماً بالوفاء، وكأن القدر اختار أن يكون وداعه الأخير لنا وسط رفاق الدرب والشرف.
إنني أرفع أحر التعازي القلبية لأسرة الفقيد الكريمة، ولرفاقه في منظمة "نجدة العبيد"، وللحقل الحقوقي وللشعب الموريتاني كافة. رحم الله الشيخ المناضل والعميد الحقوقي الفذ، وأسكنه فسيح جناته في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد علوش القلقمي
