
في ذكرى انتفاضة أبريل 1984، تعود إلى الواجهة سيرة رجلٍ نذر حياته لقضايا وطنه وأمته، هو المناضل الراحل محمد الأمين ناجم رحمه الله، أحد أبرز الوجوه النضالية في التيار الناصري بموريتانيا.
كتب الصحفي والإعلامي العروبي الشيخ ولد البكاي مستحضرًا هذه القامة النضالية، التي آمنت بقضية المستضعفين وضحّت في سبيل العزة والكرامة، قائلاً إن الراحل عاش مخلصًا لنضاله، صادقًا في التزامه، بعيدًا عن الأضواء، قريبًا من الناس، فاتحًا بيته ووقته للمناضلين.
في الثالث من أبريل 1984، وخلال حملة اعتقالات طالت الناصريين، كان محمد الأمين ناجم يقبع في قبو بإدارة الأمن، يواجه أصنافًا قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي. كانت المعلومات عنه شحيحة، فيما كانت أسرته تبحث عنه بلا جدوى لشهر كامل. تعرّض لتحقيقات متكررة تحت التعذيب، حيث لم يكن الإيلام الجسدي هو الأقسى، بل الإهانات النفسية التي طالت كرامته وإيمانه.
عرف الراحل في عمله الفني بالإذاعة الموريتانية، وكان نقابيًا بارزًا، مشهودًا له بالأخلاق الرفيعة، والأمانة، والبساطة، والالتزام الديني. لكنه، بعيدًا عن الأضواء، كان عنصرًا فاعلًا في أمانة سر “التنظيم الوحدوي الناصري”، حيث أوكلت إليه مهام سرية بالغة الحساسية، من بينها نقل الوثائق والمنشورات في ظروف أمنية معقدة، مستخدمًا أساليب تمويه بسيطة لكنها فعالة.
ورغم الإفراج عن المعتقلين لاحقًا دون محاكمة، لم يُنصف محمد الأمين ناجم كما ينبغي، إذ حُرم من مستحقاته المالية عن فترة اعتقاله، خلافًا لغيره. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل فُصل من عمله في الإذاعة وهو على فراش المرض في داكار، قبل أشهر قليلة فقط من تقاعده.
في 19 مايو 2005، أسلم الروح في العاصمة السنغالية داكار، ودفن فيها غريبًا عن وطنٍ عاش من أجله. رحل بصمت، كما عاش، وترك وراءه سيرة نضال نقيّ، لم ينل ما يستحقه من وفاء أو اعتراف.
إن ذكرى رحيل محمد الأمين ناجم، التي تحل في التاسع عشر من مايو، ليست مجرد محطة عابرة، بل دعوة صادقة للتأمل والوفاء، واستحضار قيم التضحية والإخلاص التي جسدها هذا الرجل.
أفلا تستحق هذه الذكرى وقفة تقدير؟
رحمه الله ورفع درجاته مع الذين انعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين في جنات ونهر في مقعدصدق عند مليك مقتدر
احمد عبد الرحيم الشنقيطى..
