موريتانيا وفرنسا: دور دبلوماسية القمة

في زيارة رئاسية هي الأولى من نوعها منذ ثلاثين عاما، استقبلت العاصمة الفرنسية باريس الرئيس الموريتانى الشيخ محمد ولد الغزوانى الذى أكد أن هذه الزيارة "تمثل على نحو مثالي عمق الروابط التي تجمع موريتانيا وفرنسا"، ليبادله الرئيس الفرنسي بالقول إن الزيارة تمثل "إشارة صداقة وثقة ووضوح في عالم يتغير"، مشددًا على أن موريتانيا تعد "شريكًا أساسيًا" لفرنسا بحكم موقعها الجغرافي عند ملتقى العالم العربي وأفريقيا، وبفعل خياراتها القائمة على الاستقرار والحوار والسيادة، فضلًا عن دورها في منطقة ساحلية تعاني اضطرابًا عميقًا. فقد لخصت مثل هذه العبارات جوهر الزيارة وعكست أهدافها وأكدت على تطور ملحوظ في مسيرة العلاقات بين البلدين؛ خاصة في ظل الرؤية الحكيمة التي يدير بها الرئيس ولد الغزوانى سياسة بلاده الخارجية والتي كانت محل اشادة من الرئيس الفرنسي ماكرون حينما وصف نهجها بـ"الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية اللذين أظهرتهما موريتانيا في مواجهة الأزمات والإرهاب والاتجار غير المشروع والتأثيرات الخارجية التي تسعى إلى إضعاف الدول".
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة دلالات نتائج هذه الزيارة ومخرجاتها من خلال ملاحظتين مهمتين:
الأولى- أولوية الملف الأمني على بقية الملفات، نظرًا لما تعانيه منطقة الساحل من أوضاع أمنية شديدة الخطورة، وهو ما حذر منه الرئيس الغزوانى باحتمال انزلاق الوضع في الساحل إلى مزيد من التأزم ومزيد من توسع هذا التأزم، معتبرًا أن تداعيات مثل هذا السيناريو ستكون كارثية على مجمل المنطقة، كما ستؤثر بصورة كبيرة في أنماط الهجرة العالمية، خاصة مع تصاعد وتيرة الحرب في الشرق الأوسط، وما يتطلبه ذلك من مزيد من التعاون المشترك مع مختلف الشركاء من أجل تعزيز الجهود التي تبذلها موريتانيا لحماية سكانها من الانعكاسات الاقتصادية لهذه الأوضاع على حيوات المواطنين الموريتانيين من ناحية، والاستفادة من النموذج الموريتاني في مواجهة الإرهاب والتعاون في مواجهة الهجرة غير الشرعية من ناحية اخرى، إذ يُذكر أن موريتانيا بفضل ضبطها لزمام إدارتها الأمنية، وتعاونها الدولى في مجالات التدريب والاستخبارات، وخاصة مع فرنسا لم تشهد أي هجوم إرهابي على أراضيها منذ عام 2011، في وقت تشهد فيه دول مجاورة تصاعدًا مستمرًا في أعمال العنف المرتبطة بالجماعات الجهادية، هذا إلى جانب مكانة موريتانيا التي أضحت شريكا أساسيًا لدول الاتحاد الأوروبي بصفة عامة وفرنسا على وجه الخصوص في الحد من الهجرة غير الشرعية ومكافحة شبكات التهريب. ومما يميز النموذج الموريتانى في هذا الخصوص أنه رغم علاقاتها الوثيقة مع فرنسا إلا أنها لم تستضف يومًا ما قاعدة عسكرية فرنسية، وهو ما يجعلها من الحالات النادرة بين المستعمرات الفرنسية السابقة.
الثانية- شغل الاقتصاد مساحة مهمة من القمة التي جمعت الرئيسين، خاصة في ظل ما تتمتع به موريتانيا من مقومات اقتصادية وفرص استثمارية عديدة ومتنوعة، وذلك إلى الحد الذى دفع الرئيس الفرنسي ماكرون إلى وصف موريتانيا بأنها أصبحت "بلد فرص"، وهو ما كان محل اهتمام كبير من الجانب الفرنسي، إذ يُذكر أن العديد من الشركات الفرنسية تضخ ملايين من الاستثمارات في الاقتصادي الموريتانى بما يدعم قدراتها الاقتصادية ويسهم في حل معضلة البطالة كأحد المشكلات الاجتماعية الاكثر انتشارًا بين الشباب، حيث تنشط في موريتانيا نحو 40 شركة فرنسية توظف أكثر من ألفي موريتاني وموريتانية؛ من أبرزها شركة "ميريديام" حيث تضخ استثمارات بما يقرب من 155 مليون يورو في بناء محطة الحاويات في ميناء نواكشوط، وتوظف قرابة 350 موريتانيا، وشركة "رازل-بيك" التي تقوم بتنفيذ مشروع تنموي ممول بقرض ميسر من الخزانة الفرنسية، من شأنه أن يتيح زيادة قدرات إنتاج المياه بنسبة 50 في المئة لتزويد نواكشوط بالمياه، فضلًا عن تمويل يقارب 40 مليون يورو لمشروع تهجين عشر محطات حرارية بما يسهم في بناء نظام كهربائي أكثر استدامة وقدرة على الصمود. واستكمالًا لهذا التعاون شارك الرئيس الموريتاني في منتدى أعمال "ميديف" الدولي، حيث تُنظم خلاله لقاءات مع رؤساء شركات فرنسية من أجل استكشاف فرص جديدة لتعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية، مع الاخذ في الاعتبار حاجة البلدين لمزيد من التعاون على المستوى التجاري، إذ لا تزال المبادلات التجارية بين البلدين متواضعة نسبيًا، فقد سجلت 323 مليون يورو في عام 2023، وتركزت في مجالات محدودة، حيث تستورد موريتانيا من فرنسا منتجات زراعية، خصوصا القمح، بينما تستورد باريس من موريتانيا منتجات الصيد وخام الحديد.
مجمل القول أن هذه الزيارة وإن كانت مسعى فرنسيا واضحًا للحفاظ على موطئ قدم سياسي وأمني واقتصادي في الساحل عبر شريك ما يزال يُنظر إليه في باريس بوصفه حليفًا متزنًا، فإنها في الوقت ذاته تمنح موريتانيا فرصة لتعزيز حضورها على الساحة الدولية وإبراز أوراقها الجيوسياسية والدبلوماسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بما يمهد لمشاركة فعالة للطرفين في القمة المزمع تنظميها في المستقبل " إفريقيا إلى الأمام" والتي ستعقد في العاصمة الكينية نيروبي بتنظيم مشترك كينى فرنسى في مايو 2026. وفرنسا: دور دبلوماسية القمة
ياسمين هلالى
الأمين العام للمنتدى المصرى الموريتانى للصداقة والتعاون
---
في زيارة رئاسية هي الأولى من نوعها منذ ثلاثين عاما، استقبلت العاصمة الفرنسية باريس الرئيس الموريتانى الشيخ محمد ولد الغزوانى الذى أكد أن هذه الزيارة "تمثل على نحو مثالي عمق الروابط التي تجمع موريتانيا وفرنسا"، ليبادله الرئيس الفرنسي بالقول إن الزيارة تمثل "إشارة صداقة وثقة ووضوح في عالم يتغير"، مشددًا على أن موريتانيا تعد "شريكًا أساسيًا" لفرنسا بحكم موقعها الجغرافي عند ملتقى العالم العربي وأفريقيا، وبفعل خياراتها القائمة على الاستقرار والحوار والسيادة، فضلًا عن دورها في منطقة ساحلية تعاني اضطرابًا عميقًا. فقد لخصت مثل هذه العبارات جوهر الزيارة وعكست أهدافها وأكدت على تطور ملحوظ في مسيرة العلاقات بين البلدين؛ خاصة في ظل الرؤية الحكيمة التي يدير بها الرئيس ولد الغزوانى سياسة بلاده الخارجية والتي كانت محل اشادة من الرئيس الفرنسي ماكرون حينما وصف نهجها بـ"الاستقلال الاستراتيجي والمسؤولية اللذين أظهرتهما موريتانيا في مواجهة الأزمات والإرهاب والاتجار غير المشروع والتأثيرات الخارجية التي تسعى إلى إضعاف الدول".
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة دلالات نتائج هذه الزيارة ومخرجاتها من خلال ملاحظتين مهمتين:
الأولى- أولوية الملف الأمني على بقية الملفات، نظرًا لما تعانيه منطقة الساحل من أوضاع أمنية شديدة الخطورة، وهو ما حذر منه الرئيس الغزوانى باحتمال انزلاق الوضع في الساحل إلى مزيد من التأزم ومزيد من توسع هذا التأزم، معتبرًا أن تداعيات مثل هذا السيناريو ستكون كارثية على مجمل المنطقة، كما ستؤثر بصورة كبيرة في أنماط الهجرة العالمية، خاصة مع تصاعد وتيرة الحرب في الشرق الأوسط، وما يتطلبه ذلك من مزيد من التعاون المشترك مع مختلف الشركاء من أجل تعزيز الجهود التي تبذلها موريتانيا لحماية سكانها من الانعكاسات الاقتصادية لهذه الأوضاع على حيوات المواطنين الموريتانيين من ناحية، والاستفادة من النموذج الموريتاني في مواجهة الإرهاب والتعاون في مواجهة الهجرة غير الشرعية من ناحية اخرى، إذ يُذكر أن موريتانيا بفضل ضبطها لزمام إدارتها الأمنية، وتعاونها الدولى في مجالات التدريب والاستخبارات، وخاصة مع فرنسا لم تشهد أي هجوم إرهابي على أراضيها منذ عام 2011، في وقت تشهد فيه دول مجاورة تصاعدًا مستمرًا في أعمال العنف المرتبطة بالجماعات الجهادية، هذا إلى جانب مكانة موريتانيا التي أضحت شريكا أساسيًا لدول الاتحاد الأوروبي بصفة عامة وفرنسا على وجه الخصوص في الحد من الهجرة غير الشرعية ومكافحة شبكات التهريب. ومما يميز النموذج الموريتانى في هذا الخصوص أنه رغم علاقاتها الوثيقة مع فرنسا إلا أنها لم تستضف يومًا ما قاعدة عسكرية فرنسية، وهو ما يجعلها من الحالات النادرة بين المستعمرات الفرنسية السابقة.
الثانية- شغل الاقتصاد مساحة مهمة من القمة التي جمعت الرئيسين، خاصة في ظل ما تتمتع به موريتانيا من مقومات اقتصادية وفرص استثمارية عديدة ومتنوعة، وذلك إلى الحد الذى دفع الرئيس الفرنسي ماكرون إلى وصف موريتانيا بأنها أصبحت "بلد فرص"، وهو ما كان محل اهتمام كبير من الجانب الفرنسي، إذ يُذكر أن العديد من الشركات الفرنسية تضخ ملايين من الاستثمارات في الاقتصادي الموريتانى بما يدعم قدراتها الاقتصادية ويسهم في حل معضلة البطالة كأحد المشكلات الاجتماعية الاكثر انتشارًا بين الشباب، حيث تنشط في موريتانيا نحو 40 شركة فرنسية توظف أكثر من ألفي موريتاني وموريتانية؛ من أبرزها شركة "ميريديام" حيث تضخ استثمارات بما يقرب من 155 مليون يورو في بناء محطة الحاويات في ميناء نواكشوط، وتوظف قرابة 350 موريتانيا، وشركة "رازل-بيك" التي تقوم بتنفيذ مشروع تنموي ممول بقرض ميسر من الخزانة الفرنسية، من شأنه أن يتيح زيادة قدرات إنتاج المياه بنسبة 50 في المئة لتزويد نواكشوط بالمياه، فضلًا عن تمويل يقارب 40 مليون يورو لمشروع تهجين عشر محطات حرارية بما يسهم في بناء نظام كهربائي أكثر استدامة وقدرة على الصمود. واستكمالًا لهذا التعاون شارك الرئيس الموريتاني في منتدى أعمال "ميديف" الدولي، حيث تُنظم خلاله لقاءات مع رؤساء شركات فرنسية من أجل استكشاف فرص جديدة لتعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية، مع الاخذ في الاعتبار حاجة البلدين لمزيد من التعاون على المستوى التجاري، إذ لا تزال المبادلات التجارية بين البلدين متواضعة نسبيًا، فقد سجلت 323 مليون يورو في عام 2023، وتركزت في مجالات محدودة، حيث تستورد موريتانيا من فرنسا منتجات زراعية، خصوصا القمح، بينما تستورد باريس من موريتانيا منتجات الصيد وخام الحديد.
مجمل القول أن هذه الزيارة وإن كانت مسعى فرنسيا واضحًا للحفاظ على موطئ قدم سياسي وأمني واقتصادي في الساحل عبر شريك ما يزال يُنظر إليه في باريس بوصفه حليفًا متزنًا، فإنها في الوقت ذاته تمنح موريتانيا فرصة لتعزيز حضورها على الساحة الدولية وإبراز أوراقها الجيوسياسية والدبلوماسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بما يمهد لمشاركة فعالة للطرفين في القمة المزمع تنظميها في المستقبل " إفريقيا إلى الأمام" والتي ستعقد في العاصمة الكينية نيروبي بتنظيم مشترك كينى فرنسى في مايو 2026.

ياسمين هلالى
الأمين العام للمنتدى المصرى الموريتانى للصداقة والتعاون