تنامي الخطاب الشرائحي داخل البلاد مؤشر علي تآكل القيم الوطنية و تراجع اللحمة الاجتماعية.

يعد الخطاب الشرائحي الفئوي العنصري مؤشرا خطيرا علي تآكل القيم الوطنية حيث يعكس ضعف النسيج الاجتماعي و تراجع السلم الأهلي مقابل النعرات الضيقة ،
فتآكل القيم يرتبط إرتباطا وثيقا بإنتشار المظاهر المادية وإستغلال المظلوميات و تراجع دور الأسرة و ضعف التعليم .
إن تنامي خطابات الكراهية ذات النفس الشرائحي أو الفئوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت إلي ساحة حرة لتمرير و نشر خطاب الكراهية و التحريض و التحقير الممنهج ،
يشير إلي تزايد مخاطر المساس بالوحدة الوطنية و قيم المجتمع .
حيث يرتبط هذا التطور غالبا بإنحدار القيم و التعليم و الثقافة مما يعزز من سيطرة التفاهة و الشعبوية و إنتشار الصورة النمطية السلبية .
نتيجة عوامل عدة منها التمايز و التراخي الحاصل في تطبيق القانون وكذلك العجز في مواجهة التحديات الاقتصادية و الاجتماعية ،
مما يولد خطاب مظلومية يتحول إلي أداة دفاعية تكرس الإنقسام ،
كما أن تفاوت الدخل و تدفق الثروة و حصرها في يد النخبة علي حساب عامة الناس يخلق بيئة خصبة للإضطرابات و الخطاب الشرائحي،
ينتج عن هذا الخطاب إقصاءا و شتائم و تخوينا متبادلا مما يمزق النسيج الاجتماعي ،
في حين ينشأ هذا الخطاب غالبا من رحم خطاب المظلومية الذي قد يبدأ كصرخة إحتجاجية مشروعة
لكنه سرعان ما يتحول إلي أداة لتعزيز الكراهية و التصلب الفئوي أو الشرائحي .
ففي ظل غياب أو تراجع دور الأحزاب السياسية التقليدية تظهر كيانات راديكالية تمارس التفلق و الإندماج علي أساس اللون أو العرق .
كما يوصف هذا الخطاب أحيانا بكونه يتجاوز الوقاحة ، حيث يمارس الإنتهازية السياسية بإسم حرية التعبير مستخدما مظلات سياسية حزبية أو حقوقية كغطاء قانوني للصعود .
صعود يؤدي إلي حالة سرطانية تدمر النسيج الاجتماعي الوطني ،
حيث يتم إستبدال القيم العليا بقيمة فئوية أو شرائحية ضيقة .
و يساهم نشطاء و مثقفون فئويون في تأجيج الصراعات العرقية و الطائفية.
مما يؤدي إلي سقوط القيم الإنسانية في جحيم التعصب .
إن مواجهة هذه المخاطر يتطلب تعزيز قيم المواطنة و تفعيل القوانين التي تجرم خطاب الكراهية و تأصيل قيم التعايش و التضامن لتقليل الإعتماد علي الهويات الفرعية ( القبلية، الفئوية ، الشرائحية ) .
كما يتطلب أيضا ضرورة إتخاذ تدابير عاجلة و شاملة لمواجهة التآكل الحاصل للقيم و إتساع دائرة الخطاب الشرائحي ،
و علي نحو يعزز دولة القانون و يكرس المواطنة .
إذ لا يتأتي ذلك إلا من خلال الخطوات التالية : -
1 - تعزيز المواطنة الفاعلة : ترسيخ مفهوم أن الحقوق و الواجبات مرتبطة بالمواطنة فقط و ليس بالإنتماءات الفرعية الشرائحية أو الفئوية أو القبلية .
2 - تطبيق القانون بحزم و بدون إنتقائية : تجريم خطاب الكراهية و العنصرية و الشرائحية في وسائل الإعلام و التواصل الاجتماعي و البرلمان و منع إستغلال المظلوميات السياسية عبر قوانين صارمة ،
و تفعيل مبدأ من أين لك هذا ؟ ضمن محاربة الفساد الذي يغذي هذه الخطابات الهدامة .
3 - الإستثمار في الوعي و التربية : تطوير المناهج التعليمية و إدراج قيم المواطنة و التسامح و إحترام التنوع ،
مع إطلاق و دعم المبادرات الثقافية و و الدينية التي تروج للسلم الاجتماعي و نبذ خطاب الكراهية،
4 - تعزيز دور الإعلام : عبر ترشيد الخطاب الإعلامي و منع الترويج للنعرات الفئوية أو الشرائحية أو القبلية و تشجيع الخطاب الجامع.
5 - مسؤولية النخب : دعوة النخب السياسية و الثقافية الوطنية إلي تحمل مسؤوليتها في التهدئة و نبذ الإستثمار السياسي في الشرائحية.
6 - حوار مجتمعي: فتح حوار شامل بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني لتجاوز العقليات التقليدية البائدة.
7 - مساءلة المحرضين : وقف تغول النعرات العصبية و تفعيل المساءلة و المحاسبة القانونية ضد كل من يهدد السلم الأهلي.
8 - تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة : معالجة الأسباب الهيكلية التي تجعل البعض يلجأ للخطاب الشرائحي و هي التهميش أو الشعور بعدم المساواة عبر توزيع عادل للثروات و الفرص و توجيه التنمية للمناطق و المكونات الأكثر إحتياجا .
و إنصاف المظالم التاريخية من خلال معالجة رواسب العبودية و التهميش بشكل جدي و عملي و ليس فقط عبر الشعارات .
إن الخطاب الشرائحي ليس مجرد خلاف في الرأي بل هو تعبير عن تحولات عميقة في سلم القيم المجتمعية،
قد يؤدي إلي تعميق التوترات الاجتماعية و التمهيد للصراعات ونشر ثقافة التحقير و السباب ،
و عليه فإن تدارك الوضع يتطلب إعترافا صريحا بحجم التحديات و عملا جماعيا يجمع بين الحزم و تطبيق القانون و العدالة في توزيع الثروة و التربية علي القيم الوطنية الجامعة .
بالتأكيد ما يجمعنا هو قدر و مصير و ثوابت و قيم وطنية و دينية و أصول ثابتة تندرج ضمن روابط و قواسم مشتركة كبيرة و كبيرة جدا،
مشتركة و جامعة .
هذه الروابط مجتمعة تشكل مفهوم الوطنية العضوية حيث : -
الوطن هو الأرض
الدم هو التضحية
التاريخ هو المبدأ
مما يخلق حسا مشتركا يجمع افراد المجتمع في إطار من الوفاء و الشهامة ،
و يؤكد أيضا أن هذه الروابط ستظل دوما أقوي من أي تصرف فردي أو خلاف عابر !!!
الوطن فوق كل إعتبار ،
موريتانيا أمانة في أعناق الجميع !!!

حفظ الله البلاد والعباد
اباي ولد اداعة .