
بعد أن أتممت قراءة كتاب الوزير الأول السابق سيدي محمد ولد بوبكر حول المرحلة الانتقالية (2005 – 2007)، أجدني أعود إلى الانطباع الأول الذي عبرت عنه عند صدوره: الترحيب بهذا العمل لأهميته التوثيقية والسياسية.
فشهادة وزير أول تولى المسؤولية في مرحلتين مختلفتين من تاريخ موريتانيا السياسي تمثل، في حد ذاتها، مفتاحاً لفهم بعض التحولات الكبرى، ورافداً من روافد كتابة الذاكرة السياسية الوطنية.
وكنت شخصياً أفضل ـ من زاوية تسلسل الأحداث واستخلاص الدروس ـ لو تناول المؤلف تجربته الأولى قبل الثانية، لما تحمله تلك المرحلة من دلالات مهمة في مساره السياسي والوطني، وما تتيحه المقارنة بين المرحلتين من فهم أعمق للتحولات التي عرفتها البلاد. لكن ذلك يظل خياراً منهجياً، وربما سياسياً أيضاً، للمؤلف، وهو خيار أقدره وأحترمه، مثلما أكن للرجل نفسه التقدير والاحترام.
ولم يفاجئني الأسلوب الذي كتب به الكتاب؛ فهو أسلوب مهذب ومتزن، يسعى صاحبه إلى الترفع عن الجدل والتجاذبات، ويعرض تجربته بهدوء، دون أن يستشعر القارئ رغبة في الإساءة إلى أحد أو تصفية الحساب مع أي طرف. وهي خصلة تحسب له، خصوصاً في أدبيات الذاكرة السياسية التي كثيراً ما تقع في فخ الانفعال أو المرافعة الذاتية.
كما لفت انتباهي اعتزاز المؤلف بانتمائه إلى الدولة، ووفاؤه لمسارها ومؤسساتها، واستحضاره لما وفرته لأجيال من الموريتانيين المنحدرين من أسر متواضعة ـ ومنهم جيله ـ من فرص التعليم والتأهيل والارتقاء الاجتماعي، بما يجعل الامتنان للدولة، في نظره، جزءاً من الوفاء الوطني.
وعلاوة على ذلك، أعجبني اعتزازه بعلاقته الأسرية بالمؤسسة العسكرية، وبنشأته في أوساطها، وما اكتسبه من قيم الانضباط والالتزام بالواجب واحترام المؤسسات.
وبالجملة، فإني أقدر وأثمن دوره كرجل دولة خدم موريتانيا من مواقع مختلفة. وقد جمعني معه العمل في مرحلتين مختلفتين: أولاهما في المجال السياسي حين كان أميناً عاماً للحزب الجمهوري، والثانية في مهام الدولة حين كان سفيراً بمدريد وكنت قنصلاً عاماً بجزر الكناري. ولم ألمس في نهجه، كمسؤول رفيع المستوى، سوى الحس الوطني، والجدية في العمل، والكفاءة المهنية، هذا إضافة إلى ثقافته الواسعة وأخلاقه الحميدة.
وقد تجلت هذه الصفات، في تقديري، في الدور الذي أداه خلال المرحلة الانتقالية، كما تعكسه الحصيلة الواردة في كتابه. ويبدو أن قادة انقلاب 2005 وفقوا في اختيار رجل دولة راهن على أن الشرعية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مكاسب ديمقراطية واضحة لا خلاف عليها. ومن هنا جاءت فكرة تنظيم مسلسل انتخابي توافقي، في آجال قصيرة جداً، بوصفه هدفاً مركزياً يتعين بلوغه.
كما تم إرساء ضمانات سياسية وقانونية واضحة، من أبرزها عدم ترشح أعضاء المجلس العسكري ولا أعضاء الحكومة الانتقالية، فضلاً عن تعديل الدستور بمواد محصنة قانونياً، وتعزيز الالتزامات السياسية بضمانات قوية.
وشهدت تلك المرحلة أيضاً إنشاء مؤسسات أريد لها أن تخدم الشفافية السياسية والاقتصادية، من قبيل اللجنة المستقلة للانتخابات، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، والسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، والمفتشية العامة للدولة، وغيرها من المؤسسات الرقابية.
ومع كامل الاحترام للمؤلف، فإنني لا أتفق معه في بعض السرديات المتعلقة بأسباب الانقلاب، خصوصاً ما يتعلق بحملة الاعتقالات التي تمت في الأيام الأخيرة من نظام الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، والتي كانت محل استغراب حتى داخل أوساط الموالاة آنذاك. فهنالك روايات متعددة ومعروفة حول تلك الأحداث، يضيق المقام عن بسطها، ولكل مقام مقال.
ومهما يكن، فإن المقاربة الأمنية لبعض الملفات شابتها، في أحيان كثيرة، تجاوزات لا يعرف تفاصيلها وخلفياتها الكاملة إلا من كانوا في صلب دوائر القرار.
كما لا أتفق معه في تفكيكه للأرقام المتعلقة بنتائج الانتخابات التشريعية والبلدية، حين اعتبر أن كتلة المستقلين كانت تختلف سياسياً عن الموالاة السابقة. فلو لم يتم عملياً تفكيك الحزب الجمهوري عبر ظاهرة المستقلين، لكانت القوى السياسية المرتبطة بالنظام السابق قد عادت بوزن يقارب ما كانت عليه.
لقد بات من الواضح أن أي نظام قائم، خصوصاً في السياق الموريتاني، يستفيد عادة من دعم قطب اجتماعي محافظ، قوامه الوجهاء والمجموعات التقليدية ودوائر المال والنفوذ، وهو قطب ظل يشكل ثقلاً انتخابياً مؤثراً، وإن كانت التحولات الأخيرة توحي ببداية تغير تدريجي في بنيته وأوزانه.
والمفارقة أن تجربة المستقلين أظهرت، مع تطور الأحداث لاحقاً، أن استقلاليتها السياسية لم تكن دائماً بالصلابة التي كان يتصورها البعض، وهو ما ظهر بوضوح خلال المحطات التالية للمرحلة الانتقالية.
ومع ذلك، يحسب للمؤلف تمسكه بالحياد، ورفضه الانصياع لأي ضغوط لصالح مرشح بعينه، كما يحسب له موقفه الرافض لفكرة التصويت الأبيض. وقد بدا، من خلال عرضه، مؤمناً بالديمقراطية إيماناً حقيقياً. وأعجبني استشهاده بالفكرة التي مفادها أن «النظام الديكتاتوري هو النظام الذي لا يحتاج فيه المواطن إلى السهر لمعرفة نتائج الانتخابات، لأنها تكون محسومة سلفاً».
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن فكرة تنظيم الانتخابات التشريعية والبلدية أولاً، بطريقة شفافة وبحياد كامل من السلطة القائمة، قبل الانتخابات الرئاسية، كانت فكرة جديرة بالتقدير، لأنها تسمح بمعرفة الوزن الحقيقي للقوى السياسية.
وسأترك للاقتصاديين مناقشة الحصيلة الاقتصادية للمرحلة الانتقالية كما وردت في الكتاب، كما أترك لزميلي السابق في الحكومة، معالي الوزير زيدان ولد حميده، وزير النفط والمعادن آنذاك، مناقشة ما ورد بشأن ملحقات الاتفاقية مع شركة «وودسايد» الأسترالية.
غير أن هناك نقطة لا يمكنني تجاوزها، تتعلق بقضية الأرقام غير الصحيحة التي تم اكتشافها قبل وقوع الانقلاب، مع صعود الخبير الاقتصادي الزين ولد زيدان إلى مسؤولية البنك المركزي، وما ترتب على ذلك من تداعيات، كان من أبرزها إقالة وزيري المالية والاقتصاد، رغم أن أصل القضية ـ فيما يبدو ـ سبق توليهما مسؤولية القطاعين المعنيين. وكان من المتوقع، في كل الأحوال، أن يعاد التفاهم مع الشركاء الممولين على أساس مقترحات معالجة شبيهة بتلك التي اعتمدت لاحقاً.
أما في مجال السياسة الخارجية، فلا يمكن القول إن تحولاً جوهرياً قد حصل. فقد راهنت القيادة الجديدة على قدر كبير من الاستمرارية، من خلال اختيار وزير خارجية سبق أن تولى المنصب في عهد الرئيس معاوية ..
ومن المعروف، وفق معطيات تلك المرحلة، أن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش الابن كانت تنظر إلى موريتانيا، وإلى الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع تحديداً، بوصفه أحد عناصر الاستقرار في منطقة غرب إفريقيا والساحل، وهي رؤية قد تفسر ــ إلى حد ما ــ ما أورده المؤلف بشأن منح واشنطن مهلة لعودة الشرعية الدستورية قبل أن تتكيف لاحقاً مع الأمر الواقع الجديد، بعد أن بدا لها أن السلطة الجديدة قادرة ــ من منظور مصالحها الاستراتيجية ــ على ضمان الحد الأدنى من الاستقرار والاستمرارية.
وهكذا هي العلاقات الدولية؛ تحكمها المصالح بقدر ما تحكمها المبادئ، وربما أكثر.
كما أن استمرار نهج الحياد الإيجابي في قضية الصحراء ظل مؤشراً واضحاً على استمرارية الخيارات الكبرى للدبلوماسية الموريتانية.
و معلوم ان الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع حرص على انتهاج سياسة جوار متوازنة مع دول المغرب العربي والمحيط الإفريقي، خصوصاً مالي والسنغال، في إطار السعي إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي واحترام السيادة المتبادلة. و قد فهمها للاستاذ عبد الله واد ..
أما ما ورد بخصوص المصالحة مع ليبيا وبوركينا فاسو، فلا أرى ـ من جانبي ـ أنه يرقى إلى مستوى الإنجاز الدبلوماسي الجدير بالتنويه الخاص. فالنظامان اللذان كان يقودهما آنذاك العقيد معمر القذافي والرئيس بليز كومباوري لم تكن علاقتهما بموريتانيا، في تقديري، من العلاقات السلسة أو الخالية من التوتر، بل طبعتها، في محطات متعددة، مواقف عدائية وتدخلات في الشؤون الداخلية للبلاد، وهو ما يجعل النظر إلى أي تقارب لاحق معهما أمراً يقتضي شيئاً من التحفظ عند تقييم حصيلة تلك المرحلة.
ولا يسعني أن أختم هذه السطور قبل أن أؤكد من جديد الأهمية العلمية لهذا الكتاب من منظور التاريخ الوطني الموريتاني. صحيح عن تجربة سياسية بعينها، وهو ما قد لا يرضي أصحاب الرأي المختلف أو المعارض، لكنه يستمد قيمته العلمية من مكانة كاتبه، الذي يمكن اعتباره من أبرز رجال الدولة الذين تولوا مسؤوليات جسيمة في ظروف دقيقة، ومن العارفين بخفايا دواليبها، ومن أولئك الذين ظلوا، في مختلف المواقع، على استعداد لتلبية نداء الدولة حين تحتاج إليهم.
وهنا أستحضر مشهداً لا يغادر ذاكرتي: صباح الحادث الأليم الذي راح ضحيته الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية، العقيد أحمد ولد منيه، طيب الله ثراه. يومها افتتح الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع اجتماع المجلس الوطني للحزب الجمهوري بكلمات مقتضبة أثقلها الحزن، قائلاً:
«بسم الله الرحمن الرحيم. جدول الأعمال: أقترح عليكم السيد محمد يحظيه ولد المختار الحسن في منصب الأمين العام للحزب خلفاً لسيدي محمد ولد بوبكر...»
ثم أردف بتلك العبارة القصيرة، الكثيفة الدلالة: «سيدي محمد... بغايتي فيه.»
عبد القادر ولد محمد.
