
نظم "ميثاق المواطنة"، يوم الأحد 7 يونيو 2026، يوما تشاوريا مفتوحا حول الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في تذليل العقبات التي تحول دون انطلاق الحوار الوطني الشامل، وإنجاحه في حال انطلاقه.
وقد شهد هذا اليوم التشاوري حضورا نوعيا، ووُثِّقت خلاله 40 مداخلة، قُدِّمت في جلستين استمرتا لنحو ست ساعات، إحداهما صباحية والأخرى مسائية. وسنعمل ـ بصفتنا جهة منظمةـ على إعداد تقرير شامل يتضمن أهم التوصيات والمقترحات التي قدمها المشاركون، ولكن، وقبل صدور هذا التقرير، فقد يكون من المهم أن نستعرض لكم ـ وبشكل سريع ـ الخيارين المتاحين للمجتمع المدني للمساهمة من خلالهما في إطلاق الحوار وإنجاحه في حالة انطلاقه.
الخيار الأول: التدخل كوسيط نزيه ومستقل
لقد طرحنا في "ميثاق المواطنة" أربعة أسئلة على المشاركين، كان من بينها سؤال يقول: "كيف يمكن للمجتمع المدني أن يساهم في بناء الثقة وتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف السياسية؟".
إن الدور الأبرز الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدني في الوقت الحالي، هو التدخل كوسيط نزيه ومستقل لتعزيز الثقة بين الأطراف السياسية، وتجاوز العراقيل الحالية التي تقف في وجه انطلاق الحوار. فالطيف السياسي بحاجة اليوم إلى "مبادرة وساطة" تأتي من خارجه، من جهة مستقلة لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية آنية، وإنما تهدف فقط إلى تذليل العقبات. ولا توجد اليوم جهة مؤهلة للعب هذا الدور أكثر من منظمات المجتمع المدني التي تقودها شخصيات ذات سمعة طيبة ومصداقية مشهودة.
وهنا أستحضر تجربة "نداء 4 دجمبر" التي أطلقناها قبل ثلاث عشرة سنة، خلال الشوط الثاني من انتخابات 2013، في فترة كانت فيها المعارضة في أصعب لحظات انقسامها، فجزء منها شارك في تلك الانتخابات، والجزء الأكبر قاطعها. ولدت هذه المبادرة من خارج أحزاب المعارضة، وفي ذروة انقسامها، ومع ذلك ساهمت في تذليل العقبات وتأسيس "المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة"، والذي تشكّل فيه ـ ولأول مرة ـ قطب خاص بالمجتمع المدني. العبرة من هذه التجربة هي أن المبادرات المستقلة قادرة دائما على المساهمة في تذليل الصعاب، حتى في أشد اللحظات السياسية خلافا وانقساما.
الخيار الثاني: إطلاق حوار مجتمعي موازٍ
في ظل استمرار تعثر الحوار المنتظر منذ أكثر من ست سنوات، وإذا ما فشلت مبادرات الوساطة، فإن المجتمع المدني في هذه الحالة، يجب ألا يبقى متفرجا، وعليه أن يفكر في حلول بديلة، من خلال الخيار الثاني، والمتمثل في إطلاق حوار مجتمعي موازٍ.
يمكن لهذا الحوار المجتمعي الموازي أن يُناقش كبريات القضايا الوطنية وبعض الملفات المهمة التي كان سيناقشها الحوار المتعثر، وبحضور خبراء وسياسيين من مختلف الطيف السياسي، على أن تصدر في ختام هذا الحوار جملة من المقترحات والتوصيات الخاصة بكل ملف، ثم تجمع تلك التوصيات لاحقا، وتُقدّم كخارطة طريق للحكومة والأحزاب السياسية، مع السعي لحشد إجماع وطني حولها باعتبارها طوق نجاة لمواجهة المشاكل والتحديات القائمة.
ختاما
إن المجتمع المدني لا يستطيع أن يحل محل القوى السياسية، لكنه قادر على أن يهيئ لها الأرضية المناسبة للحوار، وأن يساهم في بناء الثقة بينها، وقادر كذلك على أن يساهم في تنظيم الحوارات. وفي كل الأحوال، فإن المجتمع المدني لا يليق به أن يبقى متفرجا، وألا يتحمل المسؤولية في البحث عن توافق وطني، خصوصا في الفترات التي يكون فيها الوضع الإقليمي في غاية التعقيد، وتكون شرارة أزمات دول الجوار قد اقتربت منا كثيرا.
حفظ الله موريتانيا..
محمد الأمين الفاضل
[email protected]
