العدالة الانتقالية في موريتانيا: بين شمول الذاكرة وانتقائية الملفات

تمهيد
من يجرؤ اليوم على فتح ملف المظالم الوطنية كلها، بعيداً عن الحسابات السياسية والأيديولوجية؟
فموريتانيا ليست بلداً خالياً من الجراح، فقد عرفت خلال تاريخها الحديث مراحل صعبة تركت آثاراً عميقة في ذاكرة الدولة والمجتمع، وطالت فئات واتجاهات مختلفة. غير أن الإشكال الذي يطرح نفسه هو أن بعض هذه الملفات ظل حاضراً بقوة في النقاش العام، بينما بقيت ملفات أخرى خارج دائرة الاهتمام والمطالبة بالإنصاف.
إن المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على انتقاء ضحايا التاريخ، بل على الاعتراف بكل المظالم وفق معيار واحد قوامه الحقيقة والعدل وسيادة القانون.
1- إرث الاستعمار ومسؤولية دولة الاستقلال
كان المقاومون للاستعمار، المجاهدون الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الأرض والسيادة، يوصفون من طرف الإدارة الاستعمارية بأوصاف تخدم وجودها، كالمتمردين والمخربين وأعداء النظام والحضارة.
وكان المنتظر من دولة الاستقلال أن تعيد قراءة هذا الإرث بعين وطنية مستقلة، وأن تميز بين المصطلحات التي أنتجها المستعمر لخدمة أهدافه، وبين الحقيقة التاريخية لشعب قاوم الاحتلال وهو مالم يقع .
غير أن بعض المفاهيم التي نشأت في المرحلة الاستعمارية ظلت حاضرة في الوعي السياسي بعد الاستقلال، وهو ما يستدعي مراجعة تاريخية هادئة تنصف الجميع.
2- المظالم السياسية بعد الاستقلال
لم تكن المظالم التي عرفتها موريتانيا مرتبطة بمكون اجتماعي واحد، بل شملت تيارات وفئات متعددة.
فالموريتانيون الذين طالبوا في مراحل معينة بالانضمام إلى المغرب تعرضوا لاتهامات بالخيانة وعقوبات قاسية من طرف الدولة، رغم أن المواقف السياسية، مهما اختلفت، تبقى جزءاً من تاريخ الشعوب.
كما تعرض التيار الناصري، حسب شهادات وروايات متعددة، لحملات إقصاء واسعة من مؤسسات الدولة، شملت الاعتقالات والتعذيب وسقوط ضحايا.
وعرف التيار البعثي بدوره عمليات إبعاد وتصفية من الجيش والإدارة ومختلف وظائف الدولة، طالت أعداداً كبيرة تربوا على المئين من منتسبيه وفق ما يرويه أالكثير من المراقبين .
وكان من المفترض أن تكون هذه الملفات جميعاً جزءاً من مشروع مصالحة وطنية شاملة، تقوم على الاعتراف وجبر الضرر مادياً ومعنوياً.
3- ملف أحداث نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات
يبقى ملف أحداث نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الوطني المعاصر.
فقد شهدت تلك المرحلة توترات سياسية وأمنية خطيرة، من بينها محاولة انقلاب سنة 1987، ثم أحداث 1989 وما رافقها من صدامات داخلية وخارجية بين الدولة وبعض مكونات المجتمع الزنجي الموريتاني، وخاصة حركة افلام .
وقد تمت معالجة الملف في مرحلة لاحقة عبر تسويات سياسية، من بينها إصدار عفو عام صادق عليه البرلمان، باعتباره محاولة لإغلاق صفحة مؤلمة من تاريخ البلاد.
غير أن الملف ظل يعود إلى الواجهة السياسية في مراحل مختلفة، خاصة من خلال بعض المنظمات والتيارات التي جعلت منه قضية مركزية في خطابها.
4- دور التيار اليساري في تبني الملف
من الملاحظ أن حركة أفلام الا رهابية وجدت دعماً سياسياً وفكرياً قوياً من التيارات اليسارية، وخاصة ذات المرجعية الماركسية الشيوعية، التي تبنت القضية باعتبارها جزءاً من رؤيتها للصراع الاجتماعي والسياسي.
ويرى منتقدو هذا التوجه أن هذا الاهتمام لم يكن متوازناً مع الاهتمام بمظالم أخرى عرفتها البلاد، وأن بعض الملفات حظيت بحضور سياسي وإعلامي أكبر لأسباب أيديولوجية، بينما بقيت مظالم أخرى، طالت فئات وتيارات مختلفة، خارج دائرة الأولوية.
وهنا يبرز السؤال: هل تكون العدالة الانتقالية مشروعاً وطنياً جامعاً، أم تتحول إلى أداة تستخدمها بعض القوى السياسية لإبراز ملف يخدم رؤيتها الخاصة؟
5- قضية التعويضات والشفافية
في سياق المطالب المرتبطة بما يعرف بملف "ضحايا ثكنة إينال"، تطرح أرقام مالية كبيرة للتعويض، حيث تتحدث بعض المصادر المتداولة عن مبالغ قد تتجاوز مليار دولار أمريكي.
ومثل هذا الرقم، إذا ثبتت دقته، يطرح أسئلة مشروعة حول قدرة الدولة على تحمله، وحول أثره على قدرتها على القيام بمهامها التنموية والاجتماعية.
كما يطرح مسألة الشفافية وآليات الصرف، إذ ينبغي أن تتم إدارتها ضمن إطار قانوني واضح يضمن حقوق الضحايا ان ثبتت ويمنع تحويل الملف إلى مجال للتوظيف السياسي.
فجبر الضرر حق، لكنه يحتاج إلى مؤسسات وضوابط تضمن العدالة والشفافية.
6- الإشكال القانوني: العفو العام واستقرار الأوضاع القانونية
يثير هذا الملف إشكالاً قانونياً أساسياً يتعلق بمبدأ استقرار الأوضاع القانونية.
فإذا كان الملف قد تمت معالجته في حينه ضمن تسوية سياسية، وتُوج بإصدار عفو عام صادق عليه البرلمان، فإن إعادة ترتيب آثاره القانونية بعد مرور عقود من الزمن تطرح تساؤلات حول حدود العفو العام، ومدى إمكانية تجاوز الآثار القانونية المترتبة عليه.
فالدولة القانونية تقوم على احترام القواعد والإجراءات التي تصدر عن مؤسساتها الدستورية، ولا يمكن أن تبقى المراكز القانونية عرضة لإعادة النظر المفتوحة عبر الزمن إلا وفق مساطر قانونية واضحة.
7- الرقابة البرلمانية على الالتزامات المالية للدولة
إذا تعلق الأمر بتعويضات مالية ضخمة تمس موارد الدولة وميزانيتها العامة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمبدأ التعويض، وإنما أيضاً بالمسطرة الدستورية والقانونية التي ينبغي اتباعها.
فالمال العام يخضع في الأنظمة الديمقراطية لمبدأ الرقابة البرلمانية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتزامات مالية استثنائية قد تكون لها آثار بعيدة على الاقتصاد الوطني وعلى قدرة الدولة على الوفاء بمهامها الأساسية.
ومن ثم فإن أي تعويضات كبيرة ينبغي أن تكون موضوع نقاش مؤسسي شفاف يحدد المستفيدين، ومعايير الاستحقاق، وآليات الصرف، ووسائل الرقابة، حتى لا يتحول جبر الضرر إلى مصدر جديد للنزاع.
8- نحو مصالحة وطنية شاملة
إن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا ينبغي أن يُنظر إلى الضحية من خلال انتمائه العرقي أو السياسي ، وإنما من خلال حجم الضرر الذي لحق به وثبوت المسؤولية عنه.
ففي تاريخ موريتانيا ضحايا من مختلف الشرائح والتيارات، ومن الظلم أن يُفتح ملف ويُغلق آخر فقط لأن هذا الملف يحظى بدعم سياسي أو أيديولوجي أكبر.
الخاتمة: البوصلة التي يحتاجها الملتقى الوطني
إن موريتانيا لا تحتاج إلى ذاكرة مجزأة تختار من الماضي ما يوظف فى الحاضر، بل تحتاج إلى شجاعة وطنية تواجه التاريخ كله بلا انتقائية.
فالمصالحة الحقيقية لا تقوم على انتصار طرف على طرف، ولا على تحويل آلام الناس إلى أدوات للصراع السياسي، وإنما تقوم على ميزان واحد يرى جميع المواطنين بعين العدالة.
إن الوطن الذي يريد أن يطوي صفحات الماضي لا يمزق بعضها ويحتفظ ببعضها، بل يفتح الكتاب كله، يقرأ كل صفحاته سطرا سطرا ، ويمنح كل مظلوم حقه.
فالتاريخ لا يُشفى عندما يُستخدم، وإنما يُشفى عندما يُنصف.