من "هموم أدوابة" إلى "سياسة الفنادق": بوصلة نضال الحراطين وطفيليات الأزمة

شهدت نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مخاضاً حقوقياً استثنائياً في موريتانيا، حيث أعاد الحراك النضالي الحقوقي الناشئ آنذاك ضخ الدماء في عروق قضية الحراطين العادلة. لقد انطلق هذا النضال في بداياته من رحم المعاناة الحقيقية والغبن، معبراً بصدق عن هموم أدوابة وآلام إنسانها المنسي في أعماق الأرض، قبل أن تنتقل النقاشات الأولى إلى قاعات فندق "أدباي كمب صالح"، حيث كان صوت الحق ينبعث للمطالبة بالإنصاف ورفع المظلومية عن تلك القرى والتجمعات والأحزمة العشوائية والأحياء الهامشية التي طوق بها الفقر العاصمة نواكشوط.
ومع بزوغ نجم الحركة وتمدد حضورها الإعلامي، بدأ الحراك يغير جلده، لينتقل إلى زوايا فندق "أكصر الخاطر"، ويدخل مرحلة جديدة من التحشيد السكاني والسياسي في قلب العاصمة نواكشوط. ولم يقف القطار هناك، إذ استمرت الرحلة لترتبط لسنوات أخرى بـفندق "فريگة شنقيط بلاص" وفضاءات فندق "الأجنحة الملكية"، في إشارة واضحة إلى تحول القضية من حراك ميداني يحمل هموم أدوابة والمحرومين في الداخل، إلى صالونات سياسية ومناورات داخل المربعات الفندقية؛ قبل أن يحط الرحال أخيراً في حاضرة فندق "موري سانتر"، حيث تبرم الصفقات وتصاغ التفاهمات بين النخب.
إن هذا الانتقال المشهود من خنادق المعاناة الصامتة في أدوابة إلى أروقة وفنادق العاصمة، يطرح علامات استفهام كبرى؛ غير أن الخطر الحقيقي الذي يهدد هذا المسار هو ذلك العامل المجهري الذي يقتات على استمرار المشكلة. إننا أمام شوشرة هامشية تتدخل دائماً، وبإصرار مريب، من أجل ركوب الأمواج وتوجيه بوصلة القضية نحو المجهول، وصرفها عن مسارها الوطني والمدني السلمي لضمان بقاء الأزمة مشتعلة.
إن هذا التدخل المستمر يقف عائقاً أمام التطلعات المشروعة والمساعي الحثيثة التي تنتهجها الدولة وبرامجها الموجهة للقرى والأحزمة الهشة، ويندرج ضمن تشويش يائس يحاول العبث باللحمة الاجتماعية والانسجام الوطني، تلبية لرغبات أعداء الاستقرار؛ أولئك الصائدون في المياه العكرة الذين يقتاتون بصفة دائمة على التفرقة، وزرع بذور الكراهية والشرخ بين مكونات الشعب الواحد.
بناءً على ذلك، فإن حماية الوحدة الوطنية اليوم وتصحيح مسار النضال باتا فرض عين، لضمان ألا تتحول آلام أدوابة إلى وقود لتلك الطفيليات المجهرية، ولتبقى جهود الإقلاع التنموي تسير في طريقها الصحيح دون التفات لأصوات التشويش.
بقلم: محمد علوش القلقمي