حماية المرجعية الدينية للدولة واجب دستوري وضرورة وطنية

تمهيد
لم تكن المرجعية الدينية في بلاد شنقيط عبر تاريخها الطويل محل فراغ أو اضطراب، وإنما قامت على منظومة علمية متكاملة جمعت بين العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتصوف الاسلامى الجنيدي ، وهي المنظومة التي تخرج عليها علماؤها وقضاتها ومفتوها، وأسهمت في بناء الشخصية الدينية والثقافية للمجتمع الموريتاني عبر قرون طويلة.
وقد أثبت هذا النموذج قدرته على الجمع بين رسوخ العقيدة، والانضباط الفقهي، والتزكية الروحية، فكان عامل وحدة واستقرار، ولم يكن مجرد اختيار مذهبي، بل أصبح جزءًا من الذاكرة العلمية والحضارية للبلاد.
وقد جاء الدستور الموريتاني ليكرس هذه الخصوصية عندما نص على أن الإسلام دين الدولة والشعب، وأن الفقه الإسلامي على مذهب الإمام مالك هو مصدر التشريع. وهذا النص لا يمثل إعلانًا رمزيًا، وإنما يعبر عن اختيار دستوري يحدد الإطار العام للمرجعية الدينية التي تلتزم الدولة بحمايتها ورعايتها.
أولًا: المرجعية الدينية من النظام العام الدستوري
إن تحديد الدولة لمرجعيتها الدينية لا يعني فرض الاعتقاد على الأفراد، وإنما يعني أن مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسات المعنية بالشأن الديني، تعمل داخل الإطار الذي حدده الدستور.
فالحرية الدينية لا تتعارض مع حماية المرجعية الدستورية للدولة؛ لأن الحياد لا يعني أن تكون الدولة محايدة تجاه دستورها، كما أن حماية الثوابت الوطنية لا تعد انتقاصًا من الحقوق، بل هي ممارسة طبيعية لسيادة الدولة ومسؤوليتها في حفظ النظام العام.
وكما تحمي الدول لغتها الرسمية ورموزها الوطنية وأنظمتها الدستورية، فإن من حقها وواجبها حماية المرجعية الدينية التي ارتضاها المجتمع ونص عليها الدستور.
ثانيًا: خصوصية المدرسة الشنقيطية
تميزت المدرسة العلمية الشنقيطية عبر تاريخها بمنهج يقوم على الجمع بين العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتربية الروحية القائمة على التصوف الإسلامي
وقد أنتج هذا المنهج علماء كبارًا جمعوا بين المعرفة الشرعية والاعتدال وحسن النظر في مقاصد الشريعة.
ولم تكن قوة هذه المدرسة في الانتصار للجدل المذهبي، وإنما في قدرتها على تحقيق التوازن بين النص والمقصد، وبين العلم والأخلاق، وبين التدين واستقرار المجتمع.
ثالثًا: دروس التجارب المعاصرة
أثبتت التجارب الحديثة أن الغلو الديني لا ينشأ فقط من سوء الفهم للنصوص، وإنما أيضًا من إهمال مقاصد الشريعة، والاقتصار على القراءة الجزئية للأحكام دون اعتبار لمآلاتها ونتائجها على الناس والمجتمعات.
وقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة ظهور جماعات متطرفة استغلت بعض القراءات المتشددة لتبرير العنف والتكفير والتحريض، مما دفع دولًا ومؤسسات إسلامية عديدة إلى تعزيز خطاب الوسطية، وإعادة التأكيد على أن الشريعة جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، لا لهدمها أو الاعتداء عليها.
فكل خطاب يؤدي إلى الكراهية أو تمزيق المجتمع أو استباحة الدماء هو خروج عن المقاصد الكبرى للشريعة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
رابعًا: مسؤولية الدولة في تنظيم المجال الديني
إن حماية المرجعية الدينية الرسمية تقتضي وضع سياسة وطنية واضحة لتنظيم النشاط الدعوي داخل المساجد والمؤسسات الدينية ووسائل الاتصال الحديثة، بما يضمن انسجامه مع الدستور والقوانين النافذة.
ومن هذا المنطلق، فإن من المناسب دراسة إعداد إطار قانوني ينظم العمل الدعوي، ويمنع كل خطاب يتضمن التحريض على العنف أو الكراهية أو التكفير أو إثارة الفتن المذهبية، مع إخضاع المخالفات للضوابط والجزاءات التي يقررها القانون، وفي إطار كامل من الشرعية والرقابة القضائية.
خامسًا: المرجعية الدينية وحماية الوحدة الوطنية
إن صيانة المرجعية الدينية ليست دفاعًا عن الماضي فقط، وإنما هي حماية للمستقبل. فالمجتمعات التي تحافظ على ثوابتها الكبرى تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، بينما يؤدي اضطراب المرجعيات إلى فتح أبواب الانقسام والتجاذب.
لقد أثبتت المرجعية الشنقيطية، الممتدة لأكثر من ثمانية قرون، أنها كانت عامل بناء ووحدة، وأن الحفاظ عليها يمثل حفاظًا على رصيد حضاري وديني لا يخص فئة معينة، وإنما يشكل جزءًا من تاريخ الأمة الاسلامية .
خاتمة
إن الدول لا تفقد هويتها دفعة واحدة، وإنما تبدأ خسارتها عندما تتخلى مؤسساتها عن حماية المرجعيات التي قامت عليها وحدتها واستقرارها.
وحماية المرجعية الدينية التي اختارها الدستور ليست تضييقًا على الدين، بل هي حماية للدين من الغلو، وحماية للمجتمع من الانقسام، وترسيخ لمنهج يقوم على العلم والاعتدال ومقاصد الشريعة.
فالدين الذي يحفظ الإنسان ويصون المجتمع هو الدين الذي يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويجعل من الشريعة مصدر رحمة واستقرار لا سببًا للخصومة والانقسام.