
في تاريخ موريتانيا السياسي، تظل استقالة الرئيس الأسبق العقيد محمد محمود ولد أحمد لولي حدثا استثنائيا، ليس لأنها جاءت بعد تسعة أشهر فقط من توليه الحكم، بل لأنها ارتبطت بقصة إنسانية نادرة تكشف جوهر شخصيته المتواضعة والنزيهة.
كان ولد أحمد لولي يرى المنصب مجرد “كرسي جمر”، يثقل الكتف أكثر مما يشرفها. ورغم إلحاح رفاقه في اللجنة العسكرية للبقاء، ظل مقتنعا أن الحكم ليس مكانه الطبيعي.
اللحظة الفارقة جاءت في إحدى ليالي صيف عام 1980، وهو عائد من زيارة لوالدته في حي شعبي بالميناء. توقف أمام بائعة كسكس قرب مستشفي اكلينك كما اعتادكل ليلة اثناء عودته هو والسيدة حرمه من يارة بيت اهله في سيزييم ، وهناك استوقفته سيدة مسنة شاحبة الملامح، طلبت منه ثمن وجبة عشاء، مؤكدة أنها لم تتذوق الطعام منذ ثلاثة أيام. لم تكن تعرف أنها تخاطب رئيس البلاد، لكنها واجهته بحقيقة بائسة يعيشها الكثير من المواطنين في تلك الفترة.
تأثر الرئيس، دمعت عيناه، وأطعمها بنفسه، ثم أرسل إليها لاحقا مؤنة لأربعة أشهر. غير أن تلك الليلة لم تمر عابرة: فقد قرر التخلي عن السلطة نهائيا،صباح اليوم الموالي ،استدعى رئيس وزرائه المقدم محمد خونا ولد هيدالة ليبلغه بقراره قائلاً: “خير من يتولى المنصب بعدي هو أنت، لقوتك في الحق وتدينك ورأفتك بالضعفاء.”
وفي اجتماع اللجنة العسكرية، أعلن استقالته من رئاسة الدولة ورئاسة اللجنة، مودعا الكرسي بكلمة ستظل شاهدة على نبله إنسانيته:
“الحمد لله الذي أراحنا من حقوق العباد، والحمد لله الذي ساق لي تلك المسكينة لأتخلص من حقها وحقوق غيرها.”
بهذا الموقف، الخالد دون ولد أحمد لولي درسا نادرا في أن الرحمة قد تكون أقوى من السلطة، وأن دمعة امرأة جائعة يمكن أن تزلزل أركان كرسي الرئاسة.
رحم الله الرئيس الموريتاني الأسبق
المرحوم العقيد: محمد محمود ول احمدلولي لقد قدم درسا إنسانيا قويا لايفهمه إلا أهل الله وخاصته.
منقول
