
ليست أخطر المآسي التي تُبتلى بها الأمم أن يكثر فيها الجهل، فالجهل داء يمكن أن يبرأ بالتعليم، ويمكن أن تنقشع ظلمته بإشعال شمعة من المعرفة. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ يوم يتحول المثقف، وهو الذي خُلق ليكون عين الأمة البصيرة وضميرها اليقظ، إلى أسير في زنزانة الأيديولوجيا، لا يرى من العالم إلا ما تسمح به قضبان معتقده الفكري، ولا يسمع إلا الصدى المرتد من قناعاته المسبقة، ولا يتكلم إلا بما يخدم معبوده الفكري ولو كان على حساب الحقيقة ذاتها.
إن المثقف حين يبيع استقلال عقله، لا يعود مثقفاً، بل يصبح موظفاً في جهاز الدعاية، وجندياً في جيش الأفكار المغلقة، ومروجاً للأوهام التي يتوهم أنها حقائق مطلقة. فالمعرفة بطبيعتها حرة، أما الأيديولوجيا حين تستبد بالعقل فإنها تصادر هذه الحرية، وتحوّل الفكر إلى سجن، والبرهان إلى شعار، والبحث إلى تبرير، والنقد إلى خيانة.
المثقف الحقيقي لا ينتمي إلى الأفكار بقدر ما تنتمي الأفكار إليه بعد أن يمتحنها بعقله، ويزنها بميزان المنطق، ويعرضها على محكمة الواقع. أما المثقف المؤدلج فإنه يقلب المعادلة؛ فيبدأ بالعقيدة الفكرية، ثم يبحث عن الوقائع التي تؤيدها، ويتغافل عن كل ما يهدمها. وهنا لا يعود العقل قائداً، بل يصبح تابعاً ذليلاً، ولا تبقى الحقيقة غاية، بل تتحول إلى ضحية.
وحين تتغول الأيديولوجيا على الضمير الفكري، تنشأ طبقة من المثقفين الذين لا يقرأون ليعرفوا، وإنما يقرأون ليقتنصوا الشواهد التي تؤكد ما يؤمنون به سلفاً. إنهم يفتشون في بطون الكتب كما يفتش التاجر عن السلعة التي توافق زبونه، لا كما يفتش الباحث عن الحقيقة. فإذا وافقتهم الوقائع هللوا لها، وإن خالفتهم اتهموا الوقائع بالخيانة، واتهموا التاريخ بالتزوير، واتهموا الناس بالجهل.
ومن هنا تبدأ أخطر صور الانحراف الحضاري؛ لأن المجتمع قد يغفر خطأ السياسي، وقد يحتمل فساد التاجر، لكنه يدفع ثمناً باهظاً عندما يفسد المثقف، إذ يصبح الكذب ممهوراً بختم المعرفة، والتضليل مرتدياً عباءة الحكمة، والخداع متشحاً بألفاظ الفلسفة والعلم.
إن الأيديولوجيا لا تخشى الجاهل بقدر ما تخشى المثقف الحر؛ لأنها تعلم أن العقل المستقل يهدم الأسوار التي تبنيها، ويكشف الأقنعة التي ترتديها، ويفضح تناقضاتها مهما تزينت بالمصطلحات البراقة. ولذلك فإن أول ما تفعله كل أيديولوجيا متطرفة هو تدجين المثقفين، فإن عجزت عن تدجينهم سعت إلى تشويههم، فإن أخفقت في تشويههم حاولت إسكاتهم.
وما أكثر المثقفين الذين بدأوا دعاة للحرية، ثم انتهوا حراساً للاستبداد، لا لأنهم تغيروا فجأة، بل لأن الأيديولوجيا أقنعتهم بأن الاستبداد ضرورة، وأن القمع مصلحة، وأن إسكات المخالف حماية للوطن أو للدين أو للثورة أو للأمة. وهكذا تتحول الكلمات الجميلة إلى أقنعة تخفي وراءها أبشع صور الطغيان.
إن المثقف الأسير لا يملك شجاعة الاعتراف بالخطأ، لأن اعترافه لا يهدم رأياً فحسب، بل يهدم الهوية التي صنعها لنفسه. ولذلك يفضل أن يحطم الحقائق على أن يعترف بخطئه، وأن يشوه الواقع على أن يراجع قناعاته، فيعيش داخل دائرة مغلقة، يتغذى فيها الوهم من الوهم، ويصفق فيها الأتباع لبعضهم بعضاً، حتى يظنوا أن ضجيجهم هو صوت الحقيقة.
ولقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط أولاً بالسلاح، وإنما تسقط عندما يعجز مثقفوها عن ممارسة النقد، وعندما تتحول الجامعات إلى مصانع للشعارات، والصحف إلى منابر للتصفيق، ودور النشر إلى معامل لإعادة تدوير الأفكار القديمة بثياب جديدة. فحين يموت السؤال، يولد الاستبداد، وحين يخاف العقل من الشك، تبدأ رحلة الانحدار الطويل.
إن أخطر ما تفعله الأيديولوجيا أنها تزرع في عقل المثقف وهماً مدمراً، وهو امتلاك الحقيقة المطلقة. وما دام يعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة، فلن يسمع أحداً، ولن يحاور أحداً، ولن يتعلم من أحد. ومن ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة فقد أعلن، من حيث لا يشعر، بداية جهله.
الحقيقة بحر لا ساحل له، أما الأيديولوجيا فهي بركة راكدة تظن نفسها محيطاً. والحقيقة تنمو بالحوار، بينما الأيديولوجيا تتغذى على الإقصاء. والحقيقة تتواضع كلما ازدادت علماً، أما الأيديولوجيا فتتكبر كلما ازدادت وهماً.
ولذلك فإن المثقف الذي يريد أن يحافظ على رسالته لا بد أن يجعل ولاءه للحقيقة قبل الأشخاص، وللبرهان قبل الشعارات، وللواقع قبل الأمنيات. فإن انقلب هذا الترتيب، ضاع العلم، وتحوّل الفكر إلى معركة بين العصبيات، لا بين الحجج.
لقد شهد العالم مدارس فكرية كبرى أسهمت في بناء الحضارة، لكنها حين تحولت إلى أيديولوجيات مغلقة، فقدت قدرتها على التجدد، وأصبحت تعيش على اجترار الماضي، وتعيد إنتاج أخطائه في كل جيل. فلا فكرة معصومة، ولا نظرية كاملة، ولا فيلسوف فوق النقد، ولا كتاب بشري يعلو على المراجعة.
إن المثقف الحر يشبه القاضي العادل، يسمع جميع الخصوم قبل أن يصدر حكمه، أما المثقف المؤدلج فيشبه المحامي الذي يدافع عن موكله مهما كان مذنباً، ويبحث عن الثغرات لا عن العدالة. وهنا يكمن الفرق بين العقل الباحث والعقل المبرر.
ولئن كانت الأيديولوجيا تمنح صاحبها شعوراً زائفاً باليقين، فإنها تسلبه أثمن ما يملك، وهو القدرة على الدهشة، وعلى إعادة النظر، وعلى الاعتراف بأن الإنسان أكبر من أي نظرية، وأن الواقع أعقد من أي شعار، وأن الحياة لا تختزل في كتاب واحد ولا في حزب واحد ولا في زعيم واحد.
إن الأمم التي تريد النهضة تحتاج إلى مثقفين يضيئون الطريق، لا إلى أبواق تردد ما يُملى عليها. تحتاج إلى عقول تقرأ المستقبل بعيون مفتوحة، لا إلى عيون معصوبة برايات الانتماء الضيق. تحتاج إلى رجال ونساء يملكون شجاعة قول "لا" عندما تصبح "نعم" خيانة للحقيقة.
فليحذر المثقف أن يتحول إلى كاهن جديد في معبد الأيديولوجيا، يوزع صكوك الصواب والخطأ، ويحتكر الحقيقة، ويصادر العقول. فإن الفكر الذي لا يقبل النقد يشيخ سريعاً، والعقل الذي يخاف المراجعة يتكلس، والأمة التي تقدس الأفكار أكثر من تقديسها للحقيقة، تحكم على نفسها بأن تدور في حلقة مفرغة، لا تبرح مكانها مهما رفعت من شعارات التقدم والنهضة.
إن الرسالة الخالدة للمثقف ليست أن ينتصر لفكرة، بل أن ينتصر للحقيقة، وليست أن يقود الناس إلى عبادة الأيديولوجيا، بل أن يحررهم من كل قيد يكبل عقولهم. فالعقل خُلق ليكون حراً، والحقيقة لا تُولد إلا في فضاء الحرية، أما الأيديولوجيا حين تتحول إلى قيد، فإنها لا تنتج إلا نسخاً متشابهة من العقول، وأجيالاً تحفظ أكثر مما تفكر، وتردد أكثر مما تبدع، وتؤمن أكثر مما تبحث.
وحينئذٍ، لا يكون المثقف منارة تهدي السفن في ليل الأمم، بل يصبح صخرة تتحطم عليها سفينة الوعي، ويغدو قلمه، الذي كان يفترض أن يوقظ الضمائر، معولاً يهدمها بصمت، ويترك الأجيال تتخبط في متاهة الشعارات، حتى تكتشف، بعد فوات الأوان، أن أخطر السجون ليست تلك التي تُبنى بالحجارة، وإنما تلك التي تُشاد داخل العقول.
●بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
المفرق- الأردن.
١٧ يوليو ٢٠٢٦م.
