
شكل المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني فرصة لإعادة طرح عدد من القضايا التي ظلت تتصدر النقاش الوطني، وكان من أبرزها ما يتعلق بما يسمى بـ"الإرث الإنساني"، والجدل المتجدد حول المأمورية الرئاسية الثالثة.
ففي رده على سؤال يتعلق بالإرث الإنساني، أكد رئيس الجمهورية أن الدولة قطعت أشواطا معتبرة في معالجة هذا الملف، وأن ما تحقق يمثل تقدما، مع إبداء الاستعداد لمواصلة الجهود حتى تستكمل المعالجة في إطار يحفظ السلم الأهلي ويعزز الوحدة الوطنية. وهو جواب اتسم بالهدوء والابتعاد عن لغة التصعيد، وهي مقاربة تستحق التقدير.
غير أنني أعتقد أن النقاش الوطني يحتاج أيضا إلى مراجعة بعض المصطلحات المتداولة. فالتعبير الشائع "الإرث الإنساني" لا يخلو من حمولة سياسية وتاريخية قد توحي، لدى المتلقي، بوجود مأساة ذات طابع إبادي ممنهج، على غرار المحرقة النازية أو الجرائم التي ارتكبت في البوسنة والهرسك، بينما يتعلق الأمر في موريتانيا بأحداث مؤلمة تستوجب الإنصاف وجبر الضرر، دون أن يقتضي ذلك اعتماد توصيفات قد لا تعكس حقيقة السياق الوطني.
كما أن العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية، وإنما يجب أن تشمل كل المظالم التي تعرض لها الموريتانيون، أيا كانت انتماءاتهم أو مناطقهم أو ظروفها التاريخية. فالدولة التي تنصف الجميع، هي وحدها القادرة على طي صفحات الماضي دون أن تترك في النفوس شعورا بالإقصاء أو التمييز.
أما في رده على سؤال المأمورية الثالثة، فقد أعاد رئيس الجمهورية التأكيد على احترام الدستور، وعلى أن اهتمامه اليوم منصرف إلى تنفيذ برنامجه وخدمة المواطنين، وهو جواب يعكس حرصه على عدم الانجرار إلى جدل سياسي سابق لأوانه.
ومع ذلك، فإنني أرى أن مجرد إثارة موضوع المأموريات لا ينبغي أن يتحول إلى تهمة سياسية أو دستورية. فالدساتير ليست نصوصا جامدة، وإنما هي عقود تنظم حياة الشعوب، وقد شهد تاريخ الدول الديمقراطية تعديلات دستورية عديدة كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، وفق الإجراءات القانونية وبتفويض من الشعب.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول الإبقاء على نظام المأموريتين أو مراجعته يظل، في تقديري، نقاشا سياسيا ودستوريا مشروعا، متى جرى في إطار المؤسسات واحترام القانون. فإذا رأى الشعب الموريتاني، عبر الآليات الدستورية، أن مصلحته تقتضي الإبقاء على النص الحالي، فذلك خياره. وإذا رأى، في وقت من الأوقات، أن المصلحة العامة تستوجب تعديله، فإن إرادة الشعب تبقى هي المصدر الأسمى للمشروعية.
إن المؤتمر الصحفي للرئيس لم يغلق باب النقاش، لكنه أكد أن معالجة القضايا الوطنية الكبرى ينبغي أن تتم بعيدا عن الانفعال والاستقطاب، وأن تظل وحدة الوطن، والعدالة بين جميع أبنائه، واحترام المؤسسات، هي المبادئ التي يحتكم إليها الجميع.
