أزمة الأوراق النقدية المتهالكة حينما يدفع المواطن ضريبة تقاعس المصارف و البنوك .

يواجه المواطن اليوم مأزقاً مالياً حقيقياً يهدد تعاملاته اليومية وقدرته الشرائية، يتمثل في دائرة مغلقة من تبادل الأوراق النقدية المتهالكة والمهترئة.
تبدأ الحكاية من شبابيك البنوك والمصارف التجارية، حيث يستلم المواطن سيولة نقدية تالفة تحت ضغط الحاجة و ضيق الوقت، لينتهي به المطاف أمام رفض قاطع من التجار وأصحاب المحلات بحجة تلف هذه الأوراق. هذا الوضع يضع المواطن وحده في فوهة المدفع، ليتحمل عبء خسارة مالية وضياعاً لقيمة أمواله دون أي مبرر قانوني أو شرعي.
الحقيقة الغائبة من المسؤول عن هذا الوضع ؟
إن إلقاء اللوم على التاجر أو المواطن هو تشخيص خاطئ للأزمة ، فالحقيقة الثابتة هي أن سحب الأوراق التالفة وضخ سيولة سليمة هو مسؤولية البنوك والمصارف بدرجة أولى.
فحينما يمتنع التاجر أو أي كان عن قبول العملات المهترئة قد لا يكون تعنتاً، بل خوفاً مشروعاً من رفضها لاحقاً من قِبل الموردين أو عند إيداعها في الحسابات البنكية.( فرأس المال كما يقال جبان )
بالتأكيد تقع المسؤولية القانونية والأخلاقية على عاتق البنوك التجارية التي تعيد تدوير العملات التالفة بدلاً من فرزها وإرسالها للبنك المركزي لإتلافها،
مستغلة حاجة المواطن للسيولة.
هذا السلوك يخالف الضوابط الشرعية والقانونية التي تحمي المعاملات المالية و تضمن سلامة الرواج الاقتصادي ،
و يحول العملة الوطنية من أداة لتسهيل الحياة إلى مصدر للقلق والنزاع اليومي في الأسواق.
لإيقاف هذا الاستنزاف غير المبرر لجيوب المواطنين، لا بد من تدخل حازم وفوري يفرض حلولاً هيكلية على أرض الواقع ،
حيث يجب على البنك المركزي فرض عقوبات رادعة على البنوك التجارية التي تصرف أوراقاً متهالكة للمواطنين عبر شبابيكها أو صرافاتها و إعتماد سياسة ضخ أوراق نقدية جديدة بشكل دوري و منتظم تعطي إنسانية تامة لحركة السيولة و تُعٓوِضْ الأوراق المتهالكة بسبب كثرة التعاطي و التداول علي نطاق واسع ،
و ضرورة تفعيل آلية سريعة ومجانية داخل كافة الفروع المصرفية و البنكية لاستبدال العملات التالفة دون تعقيدات إدارية تنفر المواطن أو التاجر .
بالإضافة إلي إطلاق حملات إعلامية رسمية تشرح المعايير القانونية للأوراق الصالحة للتداول مثل احتفاظ الورقة برقمها التسلسلي ومعالمها الأساسية،
مع التأكيد على أن الأوراق المرممة بشريط لاصق تظل عملة قانونية يمنع رفضها.
كما ينبغي تعزيز و تأمين البنية التحتية للتطبيقات المالية والتحويلات
الرقمية لتقليل الاعتماد على السيولة النقدية الورقية في المعاملات اليومية الصغيرة.
إلا أن الإحتيال السيبراني وقرصنة الحسابات الرقمية عبر التطبيقات البنكية مازال هو الآخر يمثل تحديا خطيرا ،
بسبب تطور الجريمة السيبرانية، وسط تملص البنوك و المصارف من مسؤولية حماية تطبيقاتها الرقمية، مما يترك الضحايا تائهين في دوامة إجرائية طويلة و معقدة بين أجهزة الأمن المختصة بالسيبرانية والقضاء دون تعويض ملموس من البنوك عن الثغرات الأمنية.
في حين نجد أن الأوراق النقدية الجديدة تٓظْهٓرُ و تُرْمٓي بكثرة و كثافة في المناسبات الاجتماعية و المهرجانات و علي نحو يتم فيه حصر إستخدامها في التباهي و استعراض الوجاهة نتيجة سحبها خصيصا من البنوك أو الوسطاء كرمز للمظهر الاجتماعي و الكرم .
و رغم وٓفْرٓتِها المفاجئة في هذه الأجواء،
إلا أن تأثيرها علي سوق المداولات يظل معدوما ،
لكونها تختفي دون أن يكون لها أثر مباشر يذكر ،
بينما تفتقر الأسواق اليومية لهذه العملات النظيفة.
هذا السلوك يمثل مفارقة اقتصادية واجتماعية؛ حيث يُختزل دور المال في المظاهر،
مما يؤدي إلى هدر النعم وإتلافها في غير مكانها الصحيح ،
و هو ما يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي دعت إلى صون المال وحرمت إنفاقه بالباطل أو تبذيره في مظاهر الرياء.
إنطلاقا من مضامين الآية الكريمة من سورة النساء ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) صدق الله العظيم .
إن صون قيمة العملة الوطنية هو جزء لا يتجزأ من صون كرامة المواطن و حماية قوته اليومي
إذ لا يمكن للاقتصاد أن ينمو بشكل سليم طالما ظل المواطن البسيط يتحمل وحده تكلفة نقص فرز السيولة و تدني جودتها.
لقد حان الوقت ليتدخل البنك المركزي بقوة القانون لإعادة الأمور إلى نصابها و إنصاف الطرف الأضعف في هذه

اللهم أحطنا بلطفك في كل أمر .
اباي.ولد اداعة .