المولد النبوي الشريف من إشراقة الميلاد إلى إحياء الأمة و تصحيح المسار

تُطل علينا في هذه الأيام المباركة نفحات ذكرى عطرة، تهتز لها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ,
ذكرى مولد خير الأنام النبي المجتبى و الرسول المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.
إنها مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال العابر، لتكون حدثاً تاريخياً و إنسانياً غيّر وجه البسيطة، وأعاد صياغة الوجود الإنساني على أسس من الحق و العدل والرحمة.
وكما عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي في رائعته الخالدة :
وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ ..
وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ ..
لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ .
و هو حدث تاريخي هام وعظيم أخرج البشرية من سباتها ،
حيث لم يكن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد حدث عابر في سجلات التاريخ، بل كان إيذاناً بفجر جديد بدّد ظلمات الجاهلية و الجهل. لقد ارتبط هذا المولد المبارك بتصحيح جذري لمسار البشرية التي كانت تئن تحت وطأة الظلم و الطبقية و الاستعباد ،
فجاء الإسلام ليضع أسساً أخلاقية و اجتماعية راسخة، تتساوى فيها الرؤوس، وتُحفظ فيها الكرامة الإنسانية. و منذ ذلك الحين، أرست الرسالة المحمدية قيم العدل و المساواة و الرحمة، وما زالت آثار هذه القواعد باقية وشاهدة حتى يومنا هذا كمنارة تهتدي بها الإنسانية في دروبها المظلمة
أرتبط به تصحيح مسار البشرية نحو الحق والعدل .
فمن حق صاحب الذكري أن نذكر خلقه الكريم الذي وجب علينا أن نتأسي به .
و فضله في نشر قيم العدل و المساواة و الرحمة التي جاء بها الإسلام ،
كما تُعد أيضا هذه الذكري مناسبة و فرصة موسمية لإعادة تأكيد الولاء للنبي محمد صلي الله عليه و سلم ،
من خلال تجديد العهد برسالة الإسلام .
و الإقتداء بسنته و أخلاقه و تعزيز الإنتماء للأمة الإسلامية و توحيد صفوفها لمواجهة التحديات المتباينة .
إن المحك الحقيقي للمحبة و الولاء يتجلي في ترجمة هذه المشاعر إلي مواقف فعلية قادرة علي نصرة الحق و الإبتعاد عن الشعارات الرنانة و الكاذبة ،
و تعيد تقييم موقع الأمة من قضاياها المركزية و علي رأسها قضية فلسطين .
في ظل ما يتعرض له العالم الإسلامي من ظلم و حملات تشويه وتفرقة بهدف إضعاف الأمة وضرب وحدتها عبر ربط الدين الإسلامي الحنيف بأفعال العنف والإرهاب التي ترفضها كل القيم الإنسانية و الأخلاقية.
إن من أعظم حقوق صاحب هذه الذكرى علينا أن نذكر خلقه الكريم، وأن نجعل من سيرته العطرة منهجاً حياً في واقعنا.
فالمولى عز وجل قد حسم مسألة الاتباع و جعلها مرادفاً للهداية والفلاح في سورة الأحزاب، حيث قال تعالى: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» صدق الله العظيم .
إن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يكون بالاقتصار على استذكار الشمائل، بل بتحويل تلك السيرة إلى سلوك يومي، وعقد العزم على اتباع ما جاء به من نور وهداية في المعاملات والنوايا و العمل.
إن ذكرى مولد خير الأنام تحمل في طياتها أعظم الدلالات وأجل العبر، شريطة أن نربط الماضي بالحاضر، والعقيدة بالعمل.
ففي هذا المقام الطيب لا يسعني إلا أن أتقدم إليكم بأصدق التهاني بمناسبة حلول المولد النبوي الشريف، سائلا المولى عز وجل أن يجعل أيامنا وأيامكم أفراحاً ومسرات، وأن يعيده علينا وعلى الأمة الإسلامية أعواماً عديدة و أزمنة مديدة بالخير واليُمن والبركات، وكل عام وأنتم بخير وصحة وعافية.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم؛ صلاةً تهدينا وترزقنا وتنجينا بها من عذاب القبر وعذاب النار، و تخرجنا بها من حلق الكرب والضيق إلى واسع الفرج وأبلج الطريق، وبك ندفع ما نطيق وما لا نطيق، و ارزقنا يارب حسن الختام ،
و لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
جمعة مباركة
اباي ولد اداعة .