الفتنة نائمة

كأني برسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلينا من وراء غيم الزمان فيقول: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن.
وهل في أفق اليوم ما هو أبعد من الفتنة؟
كلا، إنها تقرع طبولها من كل صوب، ونارها تقترب من جوانحنا ولم يبق بيننا وبينها إلا خيط من صوف لكن الله يمسك بأيدينا حين نكاد نسقط ويبقى في هذا البلد أناس طيبون هم بقية الرأي والحكمة والفضل.
والفتنة يا قوم إذا شبت لم تفرق بين من أضرمها ومن سعى ليطفئها، وإن وقعت في الهشيم لم تترك إلا رمادا فما نراه اليوم من كلام خشن ونبش للأسرار وبث للأحقاد ليس أمرا يمر بنا كما تمرّ الريح بل الكلمة قد تكون قبسا، والمنشور قد يتحول إلى لهيب، وكل ما يبدأ تعليقا عاديا قد ينتهي بخراب لا يُحمد. واعلموا، يا قوم، أنكم إنما تقتتلون على ظل زائل، وأن المال الذي تشهرون من أجله سيوفكم ليس إلا رزقا كتبه الله وقسّمه بينكم بحكمة لا تُدركها الأعين فلن يأخذ أحد رزق أخيه ولن يبلغ امرؤ ما لم يكتب له ولو جمع حوله من الدنيا جندا وأعوانا فاتقوا الله في بعضكم، قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا يبقى للإنسان إلا رحمة كان قد تركها في قلب أخيه.

فنصيحتي لكم إخوتي: روّوا أنفسكم بالصبر، وتثبتوا، وابحثوا، ودقّقوا. فليس كل ما تبلغه أسماعكم حقا، ولا كل من ينقل لكم خبرا يريد بكم خيرا فقد يكون وراء الكلام غرض خفي، ووراء المصدر شيطان يريد أن يوقظ ما سكن من الضغائن.
فإياكم أن تكونوا وقودا لنار لا تستطيعون إخمادها، واعلموا أن الصمت عن الفتنة حكمة، والتثبّت شجاعة، وصون الأعراض من أعظم ما يبني المجتمعات.
يا قوم لقد تغير وجه الحياة كان الإنسان قديما يقول كلمته فتذهب مع الريح وتغلق خلفه الأبواب وتنتهي الحكاية أما اليوم، فقد صار لكل خطوة ظل ولكل كلمة شاهد، الجدار يسمع والهاتف يحفظ والكاميرا تلتقط ووسائل التواصل تحمل اللحظة إلى حيث لا تستطيع أن تلحق بها ولا أن تستردها.
ولهذا أصبح الحذر من ضرورات العيش امش في دروبك كما تمشي على زجاجٍ مكسور ضع قدمك حيث يطمئن عقلك، ولا تترك لكلمة بريئة بابا يساء تأويله ولا لموقف معينٍ سبيلا إلى من يريد أن يجعله شاهدا عليك.
وابتعد عن مواطن الشبهة كما يبتعد الظبي عن موردٍ قد يختبئ خلفه الأسد لا خوفا من الناس ولكن معرفة بطبيعة هذا الزمن الذي لم تعد فيه النيات وحدها هي التي تحكم على الأشياء واجعل بينك وبين الآخرين مسافة تحفظ الود ولا تهدم الثقة، وتصون الكرامة ولا تقطع صلة الإنسان بالإنسان.
فليس السلام أن تجتاز الطريق دون أن تنالك حجار مخبأة وإنما السلام أن تصل إلى ضفته الأخرى، وما زال وجهك لك، واسمك لك، وقلبك لم تقتسمه أيدي الخصام لأن بحر المصالح إذا هاج، حمل معه كثيرا من الأوهام ومن لم يعرف أين يضع قدمه قد يغرق في موجة لم يكن طرفًا فيها.
وقد يكون خيرُ ما يملك المرء حين تضيق به السبل وتكثر الفتن، أن يلزم جانبَ السلامة، ويبتعد بنفسه عن مواطن الشبهة، كما جاء في الأثر: أن يكون له غنمٌ يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقعَ القَطْر، يفرُّ بدينه من الفتن.
فليست العزلةُ دائما هربا من الحياة ولا الابتعاد جبنا عن الناس فقد يكون في الابتعاد نجاة وفي الصمت سلام، وفي الفرار من الفتنة حفظٌ للدين والكرامة. وليس كل باب يفتح جديرًا بأن ندخله ولا كلُّ طريقٍ مزدحم يستحق أن نسلكه فربما كانت النجاة أن تعرف متى تمضي، ومتى تقف، ومتى تترك للريح ما لا تملك له إصلاحا.

وما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
والله أعلم بالصواب وإليه المصير.

ديدى ولد محمد ضابط سابق