الحوار الوطني بين حرية النقاش وحدود التحصين الدستوري

ثمة سؤال يفرض نفسه بإلحاح على الرصيف السياسي، ونحن على أبواب الحوار الوطني المرتقب: لماذا كل هذا التحفظ إزاء مجرد طرح موضوع المأموريات الرئاسية للنقاش، مع أن في البلاد تياراً وطنياً قوياً يطالب بفتحها، ويرى أن استمرار الرئيس أو عدمه ينبغي أن يكون موضوعاً للنقاش السياسي والمؤسسي، لا قضية يُحظر مجرد الاقتراب منها؟
السؤال هنا لا يفترض مسبقاً أن فتح المأموريات هو الخيار الصحيح، ولا يفترض أن استمرار الرئيس هو النتيجة التي ينبغي أن ينتهي إليها الحوار. وإنما ينطلق من قاعدة أبسط: لا معنى لحوار وطني إذا كانت بعض القضايا المختلف عليها ممنوعة من النقاش قبل أن يبدأ الحوار.
فالقول بأن نصاً دستورياً محصن من التعديل شيء، والقول بأن المجتمع لا يملك حتى حق مناقشة الحكمة السياسية من وجود هذا التحصين أو المطالبة بمراجعته شيء آخر.
إن التحصين الدستوري، مهما كانت وجاهة مبرراته، لا ينبغي أن يتحول إلى تحصين سياسي للنقاش ذاته.
بين النص الدستوري والإرادة التي أنشأته
لا خلاف على سمو الدستور، ولا على أن احترامه واجب على الحاكم والمحكوم، ولا على أن استقرار القواعد الدستورية يمثل ضمانة أساسية لاستقرار الدولة.
لكن ينبغي، في المقابل، ألا ننسى حقيقة أولية في النظرية الدستورية الحديثة: الدستور ليس كياناً قائماً فوق الشعب، ولا سلطة مستقلة عنه، وإنما هو التعبير الأسمى عن إرادة الأمة في تنظيم دولتها وتحديد سلطاتها وحماية حقوقها.
ومن ثم فإن الدستور في خدمة الشعب، وليس الشعب في خدمة الدستور.
وهذه العبارة لا تعني إطلاق الإرادة الشعبية من كل قيد، ولا إنكار مبدأ سمو الدستور، وإنما تعني أن تفسير الدستور وتطبيقه يجب أن يظل وفياً للغاية التي وضع من أجلها: حماية الدولة، وصون الحريات، وتنظيم السلطة، وضمان التداول السلمي عليها، وتحقيق المصلحة العامة.
أما أن يتحول النص الدستوري، بسبب تفسير جامد أو انتقائي، إلى وسيلة لإغلاق إرادة الشعب أمام كل مراجعة مستقبلية، فذلك يثير سؤالاً دستورياً وفلسفياً لا يجوز إسقاطه من النقاش.
فالأجيال تتغير، والظروف تتغير، وتوازنات المجتمع تتغير، والتحديات التي تواجه الدولة اليوم قد لا تكون هي ذاتها التي ستواجهها غداً.
وكما يقول المثل: الناس أبناء زمانهم.
ومن غير المنطقي أن يُطلب من الأجيال اللاحقة أن تعيش بالضرورة وفق جميع الخيارات السياسية التي ارتضاها جيل سابق، وكأن الزمن توقف عند اللحظة التي وُضع فيها النص.
هل التحصين حماية للشعب أم قيد عليه؟
هنا ينبغي التمييز بين أمرين.
فقد يكون تحصين بعض المبادئ الدستورية ضرورياً لحماية الدولة من الانقلابات السياسية أو من استبداد الأغلبية أو من نزوات السلطة. وهذه وظيفة مشروعة للدستور.
لكن التحصين لا ينبغي أن يُفهم على أنه مصادرة دائمة لإرادة الشعب.
فإذا كان الشعب هو مصدر السلطة والشرعية، فمن حقه، من خلال الآليات الدستورية التي وضعها بنفسه، أن يناقش خياراته السياسية وأن يراجع ما يرى ضرورة مراجعته، وأن يطور نظامه بما يتناسب مع حاجاته وتحولاته.
وإذا كان الدستور قد وضع قيوداً على تعديل بعض أحكامه، فإن احترام تلك القيود واجب ما دامت قائمة؛ لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال السياسي والفكري حول جدوى تلك القيود، ولا يمنح أحداً حق الوصاية الدائمة على المجتمع.
فالدستور يحمي إرادة الشعب من الاستبداد، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لاستبدال إرادة الشعب بإرادة النص كما يفسرها بعض السياسيين.
لماذا يخشى البعض مجرد فتح ملف المأموريات؟
وجود تيار وطني قوي يدعو إلى فتح المأموريات حقيقة سياسية لا ينبغي تجاهلها أو التقليل من شأنها.
وقد يختلف المرء مع هذا التيار، وقد يرى أن فتح المأموريات يحمل مخاطر على التداول السلمي للسلطة، وقد يخشى أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يؤدي تعديل قواعد التناوب إلى شخصنة النظام السياسي.
كل هذه حجج مشروعة.
لكنها، في النهاية، حجج للنقاش وليست مبررات لمنع النقاش.
والرد عليها لا يكون بإغلاق الباب، وإنما بمواجهتها بالحجة المقابلة: ما مصلحة الدولة؟ ما أثر استمرار السياسة الحالية؟ ما البديل؟ ما الضمانات؟ وما الذي يريده المواطنون؟ وهل هناك بالفعل طلب شعبي واسع بفتح المأموريات، أم أن الأمر مجرد رغبة لدى نخبة سياسية؟
هذه الأسئلة وحدها كفيلة بأن تجعل الحوار أكثر جدية وأقرب إلى الحقيقة.
أما افتراض أن مجرد طرح المسألة خطر على الدولة، فهو في ذاته موقف يحتاج إلى إثبات.
وحين يصبح الوصول إلى الرئيس وسيلة لاستباق الحوار
من الطبيعي أن يلتقي السياسيون برئيس الجمهورية وأن يعرضوا عليه آراءهم، ومن حق كل طرف أن يسعى إلى إقناعه بما يراه صالحاً للبلاد.
لكن من المشروع أن نتساءل: ماذا لو استطاع فريق سياسي الوصول إلى الرئيس وإقناعه بأن أفضل خدمة للدستور هي إعلان رفض مأمورية ثالثة، ثم استطاع فريق آخر الوصول إليه وإقناعه بأن المصلحة الوطنية تقتضي إبقاء الباب مفتوحاً أمام الخيارات السياسية التي يطالب بها قطاع معتبر من المواطنين؟
أي الحجتين ينبغي أن تسبق الحوار؟
في تقديري، لا هذه ولا تلك.
فالرئيس، بحكم موقعه، ينبغي أن يستمع إلى الجميع، لكنه لا ينبغي أن يجعل الحوار الوطني تابعاً لما يقال له في اللقاءات الخاصة. والحوار، من جهته، ينبغي ألا يكون مسرحاً لإعلان نتائج اتُخذت خارجَه.
المسألة ليست في أن يصل أحد إلى الرئيس، وإنما في ألا يُستبدل النقاش الوطني بالتأثير السياسي الفردي.
وماذا عن الإرادة الشعبية؟
هنا تبلغ المسألة جوهرها.
إذا كان هناك طلب شعبي حقيقي، أو تيار وطني واسع، يطالب بفتح المأموريات، فإن تجاهله لا يجعل الطلب أقل وجوداً. وقد يكون من حق الرافضين لهذا الخيار أن يقنعوا الشعب بخطره، لكن ليس من حقهم أن يتحدثوا نيابة عنه في قضية تتصل مباشرة بمستقبل نظامه السياسي.
فالشعب ليس مجرد ناخب يستدعى يوم الاقتراع ثم يُطلب منه الصمت بين انتخاب وآخر.
الإرادة الشعبية ليست موسمية.
والديمقراطية لا تعني أن الشعب يختار من يحكمه ثم يفقد حقه في مناقشة القواعد التي تحكم ممارسة السلطة.
ومن هنا فإن السؤال الصحيح ليس: كيف نمنع الشعب من التفكير في المأموريات؟
بل: كيف نضمن أن يعبر الشعب عن إرادته في هذه المسألة، وأن يتم ذلك في إطار مؤسسي، حر، مسؤول، ومنضبط بالدستور والقانون؟
وهذا هو الفارق بين الديمقراطية التي تخشى الشعب والديمقراطية التي تثق به.
المفارقة التي تستحق التوقف
ثمة مفارقة أخرى لا يجوز إغفالها.
ففي الوقت الذي يجري فيه التشديد على تحصين بعض النصوص الدستورية المتعلقة بالمأموريات، تطرح في الحوار مسائل أخرى شديدة الصلة بهوية الدولة ولغتها وثقافتها، بما في ذلك مقترحات تتصل بترسيم لهجات غير مدونة، في حين أن اللغة العربية، وهي اللغة الرسمية للدولة، تواجه دعوات إلى التضييق من مجالها أو إعادة النظر في موقعها.
وليس المقصود وضع المأموريات واللغة في حكم قانوني واحد، فلكل مسألة طبيعتها وأحكامها. وإنما المقصود السؤال عن اتساق المنهج.
فإذا كان الاحتجاج بالدستور كافياً لإغلاق النقاش حول موضوع سياسي، فلماذا لا تكون النصوص الدستورية المتعلقة بهوية الدولة ولغتها حاضرة بالقدر نفسه من الاحترام؟
وإذا كانت إرادة الشعب يمكن أن تُستحضر لتبرير إعادة النظر في قضايا الهوية واللغة، فلماذا تصبح إرادة الشعب موضع ريبة عندما يتعلق الأمر بقواعد ممارسة السلطة؟
إن الاتساق هنا ليس ترفاً خطابياً، وإنما شرط من شروط سلامة الحجة الدستورية.
لا ينبغي أن يكون الدستور خصماً للشعب
الدستور وُضع لكي يمنع الاستبداد، لا لكي يمنع الشعب من التعبير عن إرادته.
وُضع لكي ينظم السلطة، لا لكي يجعل السلطة الدستورية بديلاً عن صاحب السيادة.
وُضع لكي يحمي الحرية، لا لكي يتحول تفسيره إلى قيد أبدي على تطور المجتمع.
ومن هنا فإن التعامل مع النصوص الدستورية ينبغي أن يجمع بين الاستقرار والتطور، وبين احترام القاعدة وإدراك الغاية منها.
فالدستور ليس وثيقة جامدة منفصلة عن الحياة، وإنما هو إطار قانوني لدولة حية، يتغير مجتمعها وتتغير ظروفها وتتطور حاجاتها.
وإذا كان المطلوب حماية الدولة من عبث اللحظة، فإن المطلوب بالقدر نفسه حماية الشعب من أن تصبح اختيارات الماضي سجناً للمستقبل.
الرئيس والحذر المطلوب
ولعل رئيس الجمهورية، في هذه المرحلة، أحوج ما يكون إلى قراءة متأنية للمشهد بعيداً عن ضغوط المؤيدين والمعارضين معاً.
ليس المطلوب منه أن يرضي هذا الطرف أو ذاك، ولا أن يكافئ من وقف معه أو يعاقب من خالفه؛ وإنما المطلوب أن يتحرى مصلحة الدولة وأن يستمع إلى مختلف التيارات الوطنية، وأن يترك للحوار مؤسسته ومجاله.
والحذر الحقيقي لا يكون من طرح الأسئلة، وإنما من محاولة احتكار الإجابة عنها.
كما ينبغي الحذر من كل خطاب سياسي يجعل من الخلاف حول المأموريات ذريعة لإعادة هندسة ثوابت الدولة أو المساس بهويتها، كما ينبغي في الوقت نفسه الحذر من استعمال حماية الهوية ذريعة لإلغاء حق الآخرين في التعبير السياسي المشروع.
فالدولة لا تُحمى بالانتقائية، وإنما باتساق المعايير.
ليس المطلوب فتح المأموريات... وإنما عدم إغلاق باب النقاش
لذلك، فإن المطالبة بإدراج موضوع المأموريات في الحوار لا ينبغي أن تُفهم تلقائياً باعتبارها دعوة إلى مأمورية ثالثة.
قد يكون في البلاد من يدعو إليها، وقد يكون فيها من يرفضها رفضاً قاطعاً، وبين الفريقين مساحات واسعة من الرأي والاجتهاد.
والمطلوب ببساطة أن يُسمع الجميع.
فإذا انتهى النقاش إلى رفض فتح المأموريات، وجب احترام النتيجة؛ وإذا انتهى إلى رأي آخر، فلا بد أن يخضع ذلك كله للإجراءات الدستورية والقانونية وللضمانات التي تحول دون تحويل السلطة إلى ملكية سياسية.
أما أن يُغلق باب النقاش قبل أن يبدأ الحوار، فذلك لا يحمي الديمقراطية، بل يضعفها.
إن قوة الدستور ليست في أن يمنع الشعب من الكلام، وإنما في أن يوفر الإطار الذي يجعل كلام الشعب قابلاً للتحول إلى إرادة مؤسسية مشروعة.
والدستور، في نهاية المطاف، ليس خصماً للشعب ولا وصياً عليه؛ إنه أداته القانونية لتنظيم دولته وحماية حريته.
والذين يخشون من إرادة الشعب ينبغي أن يتذكروا أن الشعب هو الذي يمنح الشرعية، وأن الذين يثقون بها لا يخافون من سماعها.
أما الأجيال القادمة، فلها زمانها وأسئلتها وتحدياتها؛ وليس من العدل أن نحول اختياراتنا نحن إلى قيود أبدية على أبنائها.
فالناس أبناء زمانهم، والدستور ينبغي أن يبقى حياً بحياة الأمة التي وضع من أجلها، لا أن يتحول إلى قيد على مستقبلها.