خذوا حذركم..

إن سطحية التفكير، والهلع من ردة فعل شعبويي شبكات التواصل الاجتماعي، وغياب الاستشراف، عوامل تدمر الدول مع الوقت، وقد استفحلت هذه العوامل في بلادنا للأسف الشديد.

لا يمكن أن نلوم الشعبويين في طرحهم السطحي، فالعالم عالمهم دون منازع، فقد أوصلتهم "الديمقراطية الإجرائية" إلى سدة الحكم، في أعرق الديمقراطيات الغربية، وسط تراجع مخيف للأطر التقليدية التي أسست وناضلت من بوابة مشاريع سياسية ناضجة، من أجل التمكين للديمقراطية، وتلك معضلة تشكل تحد حقيقي في عالم اليوم، وقد توقف عندها الدارسون خلال السنوات الأخيرة بعناية.

إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى التفكير بشكل مختلف، وإن كانت الدول تنشأ بعد توفر شعب في منطقة جغرافية خاصة به، مع سلطة، فإن أهم شيء في صلابة الدولة أي دولة هو قوة السلطة واحتكارها للقوة، وامتلاكها لرؤية واضحة، تقوم على حماية الأرض، وتوفير بيئة ملائمة لرفاه الشعب، وما تعاورته شبكات التواصل الاجتماعي بعد حادثة احتراق محطتين رئيسيتين "للتحويل" الكهربائي في قلب عاصمة البلاد، بدى سطحيا جدا، والشيء ذاته ينطبق على ردود الفعل ذات الخلفية السياسية، التي جاءت بطابع شعبوي خال، من عمق نظر، وتراوحت بين منتقد من زاويته كمعارض، ومبرر بشكل خجول من زاويته كموال.

والحال أننا جميعا ندرك سطحية التاجر الموريتاني أو لنقل المورد، وحتى وسيطه، فهو يعي جيدا أن الكفاءة والجدارة لم ولن تكسباه أي صفقة، وإنما ستصله الصفقات حتما بفعل عوامل أخرى، أبرزها الوساطة، والقرابة، والقدرة على تقاسم المنفعة مع الممسكين بزمام الأمور، لذلك هو يستورد دون أن يفكر في احترام المعايير الفنية المطلوبة، لأن ذلك لن ينعكس على تقويم مؤسسته بشكل سلبي غدا..، فيكفيه التفكير في بطنه، لا في وطنه، مع المحافظة على حبل الود مع الوسيط أو القريب..

لكن يجب أن نتجاوز كل ذلك، وأن لا تتوقف معارضة النظام عند هذا الجزء السطحي فقط في مثل هذه الحوادث، كما لا يجوز للسلطة أن ترتعد فرائصها خوفا من زخم ردات فعل شعبويي شبكات التواصل الاجتماعي، وأن يتصدى مدونوها "الوزراء" للهجمة بشجاعة، فقد كشف اختفاؤهم رهبة غير مبررة..

لنتجاوز ذلك كله فتأثيراته ظرفية ولن يكون لها كبير أثر على أرض الواقع، فتلك سوق نخاسة يباع فيها الوطن بكل سذاجة للأسف الشديد.

ما هو واجب اليوم على الدولة أو لنقل على النظام القيام به هو أن يشكل هذا الحدث لحظة وعي بحجم المخاطر التي تواجه الدول في عالم اليوم، فالسؤال الأهم بالنسبة لي، لن يكون السؤال عن "خلطة أهل لخيام" الذين تولوا مهمة تسهيل حصول الشركة الموردة على الصفقة، وإن كانت مسؤوليتهم كبيرة، لكن عقلية البدوي "المهرود" داخلهم، تجعل مسؤوليتهم محدودة أمام مسؤولية صناع القرار الذين سمحوا لهم بذلك، بل السؤال الأهم بالنسبة لي، من هي الشركة الموردة؟ لأي جنسية تنتمي، ما هي ارتباطاتها الإقليمية، والدولية، وهل هنالك جهاز ما داخل الدولة مكلف بمثل هذه المؤسسات التي تسند لها مهام في تنفيذ المشاريع في القطاعات الحيوية.

فالمعاصرة كما يقال تنفي المناصرة، وهذا ينطبق على الدول، فهناك حتما من يزعجه سماع أن بلدا ما يمثل حالة استثناء من ناحية الاستقرار في محيطه..

لقد لفت انتباهي جيدا ورود مصطلح "تحقيق" بشكل متكرر، على لسان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في كلمته بعد زيارة محطة نواكشوط الشرقية، وهي كلمة في محلها، لكن التحقيق يجب أن يكون أشمل، وأن تكون هنالك تحقيق أمني وفني يطال الشركة الموردة، وارتباطاتها الخارجية، فالحريق إضافة إلى ما ذكر السياسيون والمدونون، لا يجوز أن تستبعد منه فرضية التحكم الفني من جهات ما، تستثمر في عقليتنا البدوية، وتوجه لنا الضربات من تحت الحزام، ثم توٓرد لنا لاحقا، في أحسن الأحوال، إن كان هدفها الربح، خصوصا إذا كانت هذه الشريكة أجنبية..

إن هذه الحادثة يجب أن تنتج عقلا مختلفا في التعاطي مع الاستيراد في القطاعات الحيوية، وذات البعد الاستراتيجي، فمنذ فترة شاهدت حملة على الفيس بوك يطالب أصحابها باستيراد المحروقات حصرا من جهة ما شقيقة، والحق أن الأمور السيادية لا يعتمد فيها على جار، ولا على جهة واحدة، مهما كانت الصداقة والأخوة معها.

إن البلد بحاجة إلى تشكيل جهاز أمني تسند له مهمة التحقق، والتحقيق، في خلفيات بعض الأمور المستوردة، في قطاعات الدفاع والمياه والطاقة والصحة والرقمنة..، فلا يجوز السماح لشركة اتصالات معروفة الخلفية، باستيراد معداتها التقنية بعيدا عن عين الرقيب الوطني، كما لا يجوز لقطاع حيوي أن يمنح صفقة استيراد أجهزة حساسة، وحواسيب الكترونية، وهواتف..، لـ"شيخ" من "أهل لخيام". يفكر في "الربح" قبل آخرته..

قد تسوعب التربح من بقايا السيارات المتهالكة، والسماح لها بالدخول رغم ضريبتها القاسية في الأرواح، لكن لا يجوز أن يبقى البلد مفتوحا أمام استيراد المعدات والأجهزة الإلكترونية دون رقيب، والمستثمرون في هذا الجانب، يجب عليهم الخضوع للرقابة الفنية والأمنية اللازمة.

فضرر الحريقين قوي على البلد اقتصاديا وصحيا، فآلاف المتضررين يعانون في صمت بفعل الخسائر المادية التي تعرضت لها محلاتهم التجارية، ومعاملاتهم المالية، لكن ذلك يجب أن يكون فرصة لاستيعاب خطر محدق، فصديقك اليوم قد يصبح عدوك غدا، والأمور الاستراتيجية تعلمنا الدروس التاريخية أن التساهل فيها يعد خطرا حقيقيا.

فقد تجد دولة ما نفسها في لحظة تخسر كل شيء، بفعل تحكم تقني في مصادر الحياة الرئيسيه فيها.

وحتى لو كان هذا الحريق بفعل كسل في الصيانة، أو عدم احترام للمعايير الفنية للمواد المستوردة، فإنه كشف للأسف الشديد، عن غياب الرؤية الاستشرافية أيضا، وعدم احترام المعايير المطلوبة في بناء منشآت الطاقة، فكل شخص عادي اليوم، يعي أهمية الفصل، تقنيا، بين بيوت منزله في حال حصول حريق كهربائي مفاجئ..

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
النقيب : أحمد سالم سيدي عبد الله .