متحف "تويزكت" الأثري بأطار: ذاكرة وطن تستحق التثمين ومقراً يليق بالتاريخ

تلبية لدعوة كريمة من محافظه، الأستاذ الخليل ولد انتهاه، قمتُ اليوم، الموافق 30 أغسطس 2026، بزيارة استطلاعية لمتحف "تويزكت" الأثري بمدينة أطار؛ لمعاينة تلك الجهود الوطنية الاستثنائية التي يبذلها في سبيل صون وتوثيق تراثنا الخالد. يقع هذا الصرح الذي تأسس عام 2000 في قرية "اتويزكت" على بُعد عشرة كيلومترات من مدينة أطار، وتحديداً على الطريق العام المتجه إلى زويرات، قبل أن ينتقل إلى مقره الحالي المحاذي للنقطة الدالة MKT. ويضم المتحف الذاكرة الحيّة لموريتانيا، متتبعاً امتدادها التاريخي الضارب في القدم من العصر الحجري القديم، مروراً بالحقبة الاستعمارية الفرنسية، وصولاً إلى مرحلة تأسيس الدولة الموريتانية الحديثة.
وتتألق ذاكرة المتحف بسجل حافل يضم أكثر من ستة آلاف قطعة أثرية، ونحو خمسمائة مخطوط قديم، إلى جانب مكتبة مطالعة يرتادها الباحثون والمهتمون. كما يوثق المتحف صور وأسماء الرؤساء الموريتانيين والحكام الفرنسيين، إضافة إلى جناح متخصص في علوم الجيولوجيا، ومقتنيات التراث الحساني الأصيل، والأسلحة النارية التي شهدت مجريات الحقبة الاستعمارية. ويحوي كذلك تشكيلة نادرة من العملات النقدية تؤرخ للتحولات الاقتصادية بدءاً من الفرنك الأفريقي وانتهاءً بالأوقية الوطنية المستعملة اليوم، علاوة على قسم خاص يتوج تاريخ الطوابع البريدية. ولم تقتصر هذه الجهود على العرض الداخلي فحسب، بل امتدت لتشمل مشاركات متميزة بآثاره ومقتنياته في معارض مهرجان "مدائن التراث" منذ عام 2011، ومواسم آدرار الثقافية.
وفضلاً عما شهدتهُ خلال الجولة، فقد خصّني المحافظ بلفتة ذات دلالة؛ إذ أشار إلى أن المتحف حظي بزيارة اثني عشر وزيراً للثقافة منذ انطلاقته. وأمام هذا الزخم الحضاري، فإن هذه الجهود الذاتية الجبارة تجعل من الواجب على الدولة الموريتانية الاحتفاء بها وتثمينها، عبر تشييد مقر رسمي لمتحف أثري حديث ينسجم مع حجم هذا العطاء، دعماً لجهود صيانة الذاكرة الوطنية، واعترافاً مستحقاً بجميل صنعه، وهو ما شرِفتُ بتدوينه وتوثيقه في السجل الذهبي للمتحف.

محمد علوش القلقمي