حين يصبح الرئيس عقبة أمام مشروع سياسي

إن تأخير جلسات الحوار الوطني، إذا كان مرتبطًا بانتظار إعلان السيد الرئيس عدم الترشح لمأمورية ثالثة، لا يمكن النظر إليه باعتباره خلافًا دستوريًا عابرًا. فتكثيف الضغوط على رئيس الجمهورية ليعلن عدم ترشحه، قبل أن يبدأ الحوار، يطرح سؤالًا يتجاوز المأمورية ذاتها: هل يراد للحوار أن يكون طريقًا للتفاهم الوطني، أم أن المطلوب أولًا تحييد الرئيس من المشهد السياسي، باعتباره عقبة أمام مشروع يراد له أن يرى النور؟
1. حين يتحول الضغط إلى غاية
إن المطالبة بعدم الترشح لمأمورية ثالثة موقف سياسي يمكن مناقشته، لكن تكثيف الضغط على الرئيس، وربط انعقاد الحوار باستجابته، يمنح هذا المطلب دلالة تتجاوز مجرد النقاش الدستوري.
فإذا كانت القوى السياسية التي تتمسك بهذا المطلب تدرك أن المواد الدستورية المحصنة لا تُعدَّل بسهولة، وأن أي تعديل دستوري جوهري قد يمر عبر استفتاء شعبي، فإن الإصرار على انتزاع إعلان مسبق من الرئيس يطرح سؤالًا مشروعًا حول الغاية من هذا الضغط.
هل المطلوب حماية الدستور من التعديل، أم منع الرئيس من أن يكون طرفًا في النقاش حول مستقبل البلاد؟
وهل يراد للحوار أن يناقش الخيارات السياسية والدستورية، أم أن يراد له أن يبدأ بعد إغلاق أحد هذه الخيارات سلفًا؟
إن الفرق بين الأمرين ليس شكليًا، بل يمس جوهر العملية السياسية.
2. خلفية جيوسياسية لا يجوز إغفالها
إن موريتانيا لا تعيش في فراغ جغرافي أو سياسي. فهي تقع في محيط ساحلي وصحراوي مضطرب، ظل تأثيره في أمنها الداخلي واتجاهاتها السياسية قائمًا منذ الاستعمار وإلى اليوم.
كما أن تاريخها السياسي لم ينفصل عن الصراع حول هوية الدولة، ولغتها، وعلاقتها بمحيطها العربي والإفريقي والفرنكفوني.
وقد نشأت في سياقات الاستعمار وما بعده تيارات يسارية ما ركسية المذهب ، ارتبط بعضها بامتدادات إقليمية وأفكار عابرة للحدود. ومن المهم هنا أن نناقش هذه الخلفية بوصفها جزءًا من تاريخ التكوين السياسي، لا أن نفترض أن جميع القوى اليسارية الحالية تشكل مشروعًا واحدًا أو تتحرك بالضرورة وفق أجندة واحدة.
غير أن هذه الخلفية تظل ذات دلالة حين نقرأ الخلافات الراهنة حول اللغة والهوية واتجاه الدولة.
3. التعريب: قضية هوية واتجاه دولة
إن الخلاف حول العربية والفرنسية في موريتانيا ليس مجرد خلاف حول لغة الإدارة، بل هو في جانب منه خلاف حول تصور الدولة لنفسها، وموقعها في محيطها العربي والإفريقي، وعلاقتها بالإرث الاستعماري.
وقد عرف البلد منذ الاستقلال سياسات متعاقبة للتعريب والازدواج اللغوي، وكانت هذه السياسات موضوع خلافات سياسية واجتماعية عميقة. كما أن العربية حتى اللحظة لغة رسمية طبقا لاحكام المادة 6 من الدستور ،
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما يمثله الرئيس غزواني في مسار التعريب، خصوصًا في المؤسسة العسكرية والإدارة.
فقد نُسب إليه، خلال قيادته للقوات المسلحة، قرار اعتماد العربية في المراسلات بين هيئات الأركان والوحدات العسكرية سنة 2014، وهو قرار قُدّم باعتباره تطبيقًا للمكانة الدستورية للغة العربية
ومع أن التعريب الإداري في موريتانيا لم يبدأ في عهده، بل هو مسار تاريخي طويل، شهد مراحل متعددة منذ الاستقلال. لكن ذلك لا ينفي أهمية ما قد يكون قد تحقق خلال المرحلة الراهنة من توسيع حضور العربية في الإعلام و الإدارة.
ومن هنا، فإن النظر إلى الرئيس باعتباره عقبة أمام مشروع سياسي لا يمكن فصله عن السؤال الأوسع: هل يتعلق الأمر فقط بمستقبله الانتخابي، أم أن هناك اختلافًا حول الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الدولة في قضايا الهوية واللغة والسيادة الثقافية؟
4. حين تتقاطع المأمورية مع هوية الدولة
إذا كانت بعض القوى السياسية ترى أن استمرار الرئيس في المشهد قد يعوق مشروعها، فإن من حق المواطن أن يسأل: ما طبيعة هذا المشروع؟
هل هو مشروع لتطوير الحياة السياسية، وتوسيع المشاركة، وتنظيم تداول السلطة؟
أم أنه يتضمن أيضًا إعادة النظر في بعض الخيارات الكبرى التي اتخذتها الدولة في مجال التعريب، وعلاقاتها بمحيطها العربي ، وتصورها لهويتها الوطنية؟
لا يجوز أن ننسب إلى طرف معين مشروعًا من هذا النوع دون دليل. لكن من المشروع أن نقرأ المواقف السياسية في ضوء خلفياتها التاريخية، وأن نسأل عن آثارها المحتملة على اتجاه الدولة.
فالرئيس ليس مجرد اسم في قائمة المرشحين المحتملين، بل هو رئيس الجمهورية القائم، وصاحب تجربة غنية في إدارة الدولة، وفاعل أساسي قوي في التوازنات السياسية التي تشكلت خلال المرحلة الراهنة.
ومن ثم، فإن إخراجه من معادلة المستقبل قبل الحوار قد يعني، في نتائجه العملية، إزالة العقبة التي يراها أصحاب المشروع الافرانكفوني أمام إعادة ترتيب المشهد وفق رؤيتهم.
5. القرب من المؤسسة الرئاسية ومسؤولية استعماله
إن ما يثير التساؤل أكثر هو أن بعض الزعامات السياسية تمتلك، بحكم علاقاتها الشخصية بالرئيس، قدرة على الوصول إليه والتأثير في محيطه الاستشاري ، بما قد لا يتاح لغيرها من الأطراف.
ولا يعني ذلك، في حد ذاته، أن هذه العلاقات تُستعمل استعمالًا غير مشروع، أو أن الرئيس يستجيب لضغوط بعينها. لكن القرب من مركز القرار يمنح صاحبه قدرة على التأثير تستدعي قدرًا أكبر من الشفافية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة تمس مستقبل الحكم والدولة.
فإذا استُعملت هذه القنوات لتكثيف الضغط على الرئيس وإقناعه بإعلان عدم الترشح، ثم أصبح الإعلان شرطًا لانطلاق الحوار، فإن الأمر قد يتحول من مطالبة سياسية إلى محاولة لتحديد مخرجات الحوار قبل انعقاده.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بمشروعية المطلب وحدها، بل بمشروعية الوسيلة والغاية السياسية الكامنة وراءها.
خاتمة :=
إن تكثيف الضغوط على السيد الرئيس ليعلن عدم الترشح لمأمورية ثالثة، وربط الحوار الوطني بهذا الإعلان، ليس مجرد تفصيل سياسي عابر.
فهو يطرح احتمال أن يكون المطلوب تحييد مشروع الرئيس قبل الحوار، باعتباره عقبة أمام برنامج سياسي يراد له أن يعيد ترتيب المشهد الوطني.
ولا يلزم من ذلك اتهام أحد بمؤامرة منظمة، لكن من حق المواطن أن يسأل عن حقيقة المقاصد، وعن طبيعة المشروع الذي يستدعي كل هذا الضغط المتواصل ، وعن سبب الإصرار على حسم موقع الرئيس قبل أن يبدأ الحوار.
فالحوار الذي يُشترط له إقصاء أحد أطراف المشهد قبل انعقاده، قد لا يكون حوارًا يبحث عن المستقبل، بقدر ما يكون وسيلة لإعادة ترتيب الحاضر والتحكم فى الميتقبل .
وموريتانيا، في محيطها الجغرافي المضطرب، وفي ظل تاريخها السياسي واللغوي المعقد، تحتاج إلى أن تُناقش خياراتها الكبرى في وضح النهار، لا أن تُحسم في دوائر ضيقة وفى غرف مغلقة ، ثم يُطلب من المواطن أن يتعامل مع نتائجها بوصفها أمرًا واقعًا.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل يبقى الرئيس أم يرحل؟ بل: أي مشروع سياسي نريد لموريتانيا، وكيف نصل إليه دون أن ندفع البلاد إلى المجهول؟