
كان المجتمع الشنقيطي، قبل انتقال إدارة البلاد إلى الدولة الوطنية، مجتمعًا عربيًا مسلمًا في ثقافته السائدة ، متعدد المكونات ما بين صنهاجي حميري وعربي عدناني تجمعهما العربية ، لكنه موحد حول ثوابت كبرى: الإسلام دينًا، والمذهب المالكي فقهًا، والعقيدة الأشعرية اعتقادًا، والتصوف الجنيدي سلوكًا. ولم يستطع الاستعمار، رغم أدواته العسكرية والثقافية، أن يزحزح هذا المجتمع عن أصول هويته إلا بقدر محدود.
ولم يكن تاريخ الشناقطة تاريخ حرب عنصرية أو تمييز عرقي بالمعنى الذي يراد إسقاطه عليه اليوم. فقد عرف صراعات قبلية وحروبًا بين العرب والبربر، كما عرف مظالم اجتماعية لا يصح إنكارها، لكنها كانت جزءًا من تاريخ طويل ومعقد، لا يجوز اختزاله في سردية عرقية واحدة.
وحين جاء المستعمر، لم يجد مجتمعًا يرحب به. قاومه أبناء البلاد بالسلاح، وقاومته المحاظر والزوايا والمساجد بالعلم والثقافة، واتخذت المقاومة صورًا متعددة، عسكرية ومدنية وثقافية. وكان الحفاظ على العربية والإسلام، في حد ذاته، شكلًا من أشكال المقاومة.
لكن المفارقة أن الاستقلال السياسي لم يؤدِّ، منذ بدايات الدولة الوطنية، إلى إنصاف كامل لذاكرة المقاومة ورجالها. فقد تأخر حضور أبطالها في الذاكرة الرسمية والمناهج التعليمية، وبقي كثير من أبنائهم وأسرهم يشعرون بأن تضحيات آبائهم لم تتحول إلى اعتراف وطني يليق بها.
وهذه ليست مسألة امتيازات لأسر المقاومين، وإنما مسألة عدالة في كتابة التاريخ: لا يستقيم أن تكرّم أجيال الاستقلال، ثم يُترك الذين مهّدوا له في هامش الذاكرة الوطنية.
ثم بدأت معارك الهوية من داخل الدولة والمجتمع.
دخلت الوهابية من باب الدعوة والإصلاح، ووجهت نقدًا حادًا إلى التصوف والعقيدة الأشعرية، وهما من أركان التدين الشنقيطي التقليدي. ثم جاءت التيارات اليسارية والشيوعية على الخصوص بخطاب العدالة الاجتماعية والصراع الطبقي، فتحول خطابها إلى تحميل البيظان العرب مسؤولية جماعية عن التخلف والحيف وموروثات الرق، وربط القضية الاجتماعية بصراع أوسع على هوية الدولة واتجاهها.
وتحت ضغط هذه الصراعات، تعرضت التيارات القومية العربية، من بعثيين وناصريين وغيرهم، لمراحل قاسية من الإقصاء والملاحقة، وتراجعت مكانة العربية في بعض مراحل الدولة أمام استمرار النفوذ الفرنكفوني، حتى أصبح السؤال عن هوية موريتانيا الثقافية سؤالًا سياسيًا لا مجرد سؤال تاريخي.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن عروبة موريتانيا لا يعني إنكار مكوناتها ، ولا تبرير ظلم وقع على أي مواطن بسبب لونه أو أصله. فالعروبة هنا ليست مشروع إلغاء، وإنما جزء أصيل من تاريخ البلاد وثقافتها، كما أن الإفريقية حقيقة جغرافية لا تناقضها.
واليوم يعود صراع الهوية في صورة جديدة، متداخلًا مع صراع السلطة ومستقبل الدولة. ومن ذلك الضغط على رئيس الجمهورية لكي يعلن مسبقًا عدم ترشحه لمأمورية ثالثة، وكأن ذلك حماية له أو خدمة للدستور.
لكن في قراءة سياسية أخرى، قد يتحول هذا الضغط إلى مصادرة مبكرة لخيار الشعب، وفرصة تاريخية لقوى تريد الوصول إلى السلطة قبل أن يقول الشعب كلمته. فالدستور لا ينبغي أن يكون شعارًا يُستخدم لإغلاق المستقبل مسبقًا، ولا يجوز أن تتحول حماية النص إلى وصاية على إرادة المواطنين. فإذا كان تعديل الدستور مطروحًا، فطريقه معروف وسالك قانونا ، وإذا كان الشعب صاحب السيادة، فليُترك له وللمؤسسات الدستورية أن يقولا كلمتهما في إطار القانون.
لقد تغيرت الأنظمة والشعارات، لكن المعركة الأعمق بقيت هي نفسها: أي موريتانيا نريد أن نبني؟
موريتانيا التي تتنكر لذاكرتها، وتضعف لغتها، وتستحي من عروبتها، وتنسى مقاوميها؛ أم موريتانيا التي تعرف تاريخها، وتحفظ إسلامها، وتصون عربيتها، وتحترم جميع الاراء المخالفة مالم تنتهك القانون ، ولا تجعل إنصاف طرف ظلمًا لطرف آخر؟
إن موريتانيا لا تحتاج إلى محو هوية لكي تثبت هوية، ولا إلى خصومة مفتعلة لكي تبني وحدتها.
إنها أرض المحبة والسلام؛ عربية الثقافة، إسلامية الروح، إفريقية الموقع، متعددة الاتجاهات فى إطار دولة القانون
، موحدة المصير. وستظل كذلك، مهما كره الكافرون.
