
لا توجد منظومة إنتاج أو شبكة نقل و توزيع في العالم في مأمن من الحرائق أو الأعطال الفنية المفاجئة، مهما بلغت درجة تطورها التكنولوجي وبنيتها التحتية. وتظل الأنظمة المعقدة محكومة باحتمالات الخلل نتيجة المؤثرات الطبيعية، التقادم، أو الأحمال الزائدة.
تتجسد هذه الحتمية بوضوح في أزمة الكهرباء الأخيرة في العاصمتين الموريتانية و السنغالية.
ففي نواكشوط، تسببت حرائق مفاجئة و متزامنة في محطتي تحويل فرعيتين (الشرقية والشمالية) في إدخال أحياء و مناطق سكنية واسعة من العاصمة في ظلام دامس، و أدت الي شلل مؤقت في العديد من المنشآت الحيوية و الخطوط الإستراتيجية المغذية للعاصمة انواكشوط و محيطها ( مثل منطقة اديني ، مطار ام التونسي ، ميناء تانيت ) ،
قبل نجاح شركة صوملك في استعادة تشغيل المحطتين المحترقتين في وقت وجيز و إسترجاع الخدمة الكهربائية الي سابق عهدها تدريجيا داخل الأحياء و المناطق المتضررة ، حيث
تعتبر أعطال حرائق محطات التحويل من أعقد و أخطر المشاكل التي تواجه شبكات نقل وتوزيع الطاقة، وتتطلب بالفعل وقتاً طويلاً للإصلاح و إعادة التشغيل قد يمتد من أيام إلى عدة أشهر .
وعلى الجانب الآخر شهدت العاصمة دكار منذ اكثر من أسبوعين إنقطاعات واسعة النطاق في التيار ،
شملت نصف أحيائها ،
ناتج عن زيادة قياسية في الطلب علي الطاقة بسبب موجات الحر الشديد و فترة الرطوبة ،
في ظل خروج بعض المحطات الرئيسية عن الخدمة مؤقتا بسبب الأعطاب مثل توقف محطة كاب دي بيش
cap des Biches
التي تساهم بقدرة إنتاجية تصل الي حدود 240 ميغاوات ،
الي جانب صعوبات لوجستية في تأمين و إمداد بعض أنواع الوقود الأحفوري اللازم لتشغيل بعض المحطات بكامل طاقتها ،
بالإضافة إلي تداعيات أعمال الصيانة الدورية التي تتطلب أحيانا انقطاعات مؤقتة للكهرباء تفرضها برامج الصيانة من أجل تقوية شبكات التوزيع و تحسين جودة الخدمة .
مما اضطر شركة سنيليك السينغالية SENELEC من مواجهة عجز كبير و كبير جدا في التوليد وصل عتبة 180 ميغاوات ،
دفعها الي تبني نظام المداورة و توزيع الكهرباء حسب المتاح بالتناوب بين الأحياء السكنية،
مما يسلط الضوء على هشاشة الاعتماد على مسار إنتاج واحد، و يؤكد أهمية مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي عالي الجهد بين البلدين كشبكات أمان متبادلة لتمرير فائض الطاقة وتخفيف الأحمال.
أمام هذه الحقائق لم يعد الهدف هو منع الأعطال بشكل مُطلق،
بل بناء منظومات مرنة قادرة على الصمود والتعافي السريع.
إن تخطي أزمات طاقة مماثلة يتطلب ركيزتين : أنظمة حماية ذكية تعزل الخلل فوراً لحماية بقية الشبكة، و خطط طوارئ و بدائل جاهزة تضمن استمرارية الخدمة عبر خطوط ومحطات احتياطية ،
فكفاءة الشبكات الحديثة لا تُقاس بغياب الحوادث، بل بالقدرة على إدارتها و سرعة احتواء أضرارها.
و بما ان الشيئ بالشيئ يذكر فإن ردود الفعل الشعبية و أبعاد أزمة الكهرباء في نواكشوط و دكار تجاوزت من مجرد مشكلة فنية و عطل خدمي لتتحول إلى قضية رأي عام و مسألة سياسية و اجتماعية و مادة خصبة للاستغلال السياسي و الجدل الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ،
يعكس هذا التفاعل المتقاطع بين العاصمتين ترابطاً واضحاً في الأزمات البنيوية للدولتين و التوظيف السياسي لغضب الشارع .
وصل الي تخوين المسؤولين و إلقاء اللوم علي الشركتين و من ورائهم الحكومات.
في حين يرى أهل الاختصاص من مهندسين و تقنيين ومحللي اقتصاد الطاقة أن هذا التخوين والجلد الرقمي السريع غير منصف و مجحف بحق الشركات والحكومات عند النظر إليه من زاوية تقنية بحتة .
و في سياق أعم يمكن القول إن أزمة الكهرباء في نواكشوط و دكار تثبت أن أحوال أهل الدنيا متقاربة في الحاجة و الوجع،
لكنها متفرقة في الحيلة و الوسيلة. إنه تذكير موضوعي بأن التطور العمراني يظل قاصراً ما لم يُبْنَ على عدالة في توزيع الخدمات الأساسية تضمن للجميع الحق في الكهرباء و الحياة الكريمة.
كامل النجاح و تيسير الخدمة
اباي ولد اداعة .


