منظومتنا التعليمية على المحك ، شعارات نبيلة و خريطة تعليمية يمزقها الشرخ الطبقي

بالتأكيد لم يعد الحديث عن التعليم كقاطرة للتنمية مجرد شعار إعلامي أو استهلاك سياسي، بل أضحى حقيقة استراتيجية حتمية تقاس بها نهضة الأمم. و في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة و العولمة الرقمية التي اختزلت المسافات،
يواجه نظامنا التعليمي تحديات بنيوية تتطلب وقفة صريحة لتقييم السياسات الماضية و تجاوز إخفاقاتها. إن أي إصلاح حقيقي و واقعي لن يكتب له النجاح ما لم ينطلق من مقاربة شاملة تعيد بناء الركائز الأربع الأساسية للعملية التعليمية: المعلم كموجه و ملهم، الطالب كمحور وغاية، المدرسة كبيئة حاضنة، و المنهج كأداة لمواكبة المستقبل الرقمي.
يتزامن الافتتاح الدراسي للموسم الجديد 2026 - 2027 هذا العام مع اليوم العالمي للمعلم و هي مصادفة تحمل في طياتها دلالة بالغة وتضع الإرادة السياسية أمام سؤال جوهري , كيف لنظام تعليمي أن يتقدم خطوة واحدة و المدرس حجر الزاوية في العملية التربوية يراوح مكانه تحت وطأة ظروف مادية و تكوينية قاسية ؟
ولعل أبلغ ما قيل في وسم هذه المكانة الخالدة للمعلم هو قول أمير الشعراء أحمد شوقي :
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا ... كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
إن الاحتفاء بالمعلم في يومه العالمي هو وقفة عرفان لجهود لا تنضب، وظهورٍ انحنت بصبر لتستقيم عقولنا وتواكب المستقبل. فكل الشكر لمن يدمج الأصالة بالتطور، ويبني الإنسانية فكراً وخُلقاً، تاركاً بصمة رقمية و فكرية خالدة لا يمحوها الزمن .
إن تجاهل إنصاف المدرس هو وصفة جاهزة لإعادة إنتاج نفس الفشل التربوي السابق ،
وقد كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي عن انخفاض حاد في نسبة النجاح العامة في البكالوريا، حيث بلغت 13.56% فقط للعام الدراسي 2026، مقارنة بـ 20.08% في العام ما قبل الماضي
2025 م ،
هذا التراجع المخيف يعني عملياً رسوب أكثر من 55 ألف مترشح، في حين لم تتجاوز نسبة النجاح بين الأحرار عتبة 4.97%. وإذا كانت الوزارة قد أرجعت هذا الهبوط لصرامة الرقابة ومحاربة الغش، إلا أن الشرخ يتسع حين ننظر إلى خريطة التفوق؛ حيث تسجل بعض المدارس الخصوصية صفر نجاح ، بينما تنحصر نسب التميز المرتفعة داخل مدارس الامتياز الجمهورية التي بلغت نسبة النجاح في صفوف الفئات الهشة المستفيدة منها 64.3% والتي تحظي بعناية خاصة و نظام صارم ،
لكن الأزمة الأعمق تتجاوز لغة الأرقام الصماء، لتكشف عن مأساة طبقية تعليمية حادة تهدد كينونة التماسك المجتمعي و الوحدة الوطنية حيث ينقسم المشهد التربوي الموريتاني إلى ثلاثة عوالم منفصلة لا تلتقي مع بعضها :
• تعليم عمومي متهالك : يعاني من اكتظاظ خانق وسوء أحوال المنشآت، بات ملجأ حظرياً لأبناء الفئات الهشة والفقيرة مما ادي إلي عزوف بعض العائلات إلي إرسال و تسجيل أبنائهم بهذه المدارس رغم حصر الأقسام الابتدائية بمؤسسات التعليم العمومي ،
• تعليم خصوصي وطني متعثر : يستقطب الطبقة المتوسطة و العاملة ، لكنه يعجز عن تقديم بديل حقيقي للتحصيل العلمي الرصين.
• تعليم أجنبي باهظ الاستعلاء : تحول لقبلة حصرية لأبناء الوزراء و الأثرياء و كبار المسؤولين، برسوم فلكية ومناهج تغترب بالتلميذ عن هويته و واقع بلده.
أمام هذا الشرخ الصارخ يثور تساؤل مشروع : كيف يمكن لبلد أن يبني مستقبلاً موحداً وهو يوزع التحصيل العلمي بناءً على القدرة المالية و النفوذ؟ إن تجربة المدرسة الجمهورية رغم نبل شعارها، لن تؤتي أكلها ما دام صانع القرار و موظفو الدولة يرسلون أبناءهم إلى مدارس البعثات الدبلوماسية و الخصوصية الأجنبية و يتركون مقاعد المدرسة العمومية للمعدمين .
إن الخروج من هذا النفق التربوي المظلم و تجسيد هذا المشروع الوطني على أرض الواقع يتطلب الانتقال من تشخيص الأزمة إلى تقديم حلول جذرية وشجاعة، أبرزها :
• النهوض الشامل بالمدرس: عبر مراجعة نظام الأجور و العلاوات بما يضمن له حياة كريمة، بالتوازي مع إطلاق برامج تكوين مستمر لرفع كفاءته المعرفية والبيداغوجية.
• إلزامية التعليم العمومي للنخبة : فرض خيار المدرسة العمومية كمسار إلزامي لأبناء كبار مسؤولي الدولة وموظفي القطاع العام، لضمان رقابة سياسية و مجتمعية مباشرة على جودتها.
• توجيه الاستثمار نحو البنية التحتية : رصد ميزانيات استثنائية لإنهاء ظاهرة الاكتظاظ الخانق، وترميم المنشآت المتهالكة، وتجهيز المدارس بالوسائل التعليمية الرقمية الحديثة .
• الرقابة الصارمة والتكامل مع القطاع الخاص : إخضاع المدارس الخصوصية لدفاتر شروط تربوية صارمة تمنع تسليع التعليم مع فرض نسب دمج مجانية للمتفوقين من الفئات الهشة .
• عصرنة المناهج التعليمية : تطوير مناهج وطنية تجمع بين الأصالة والهوية الموريتانية وبين متطلبات العصر الرقمي و اللغات الحية، لقطع الطريق أمام الاستلاب الثقافي في البعثات الأجنبية.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ من ترميم الجدران فحسب، بل من ردم هذه الهوة الطبقية عبر إرادة سياسية شجاعة تعيد الاعتبار للمدرس مادياً و معرفياً، وتجعل من التعليم العمومي الرافعة الحقيقية لبناء الغد، فالأوطان لا تُبنى بعقول مغتربة وجيل قاعدي محروم .

حفظ الله موريتانيا
اباي ولد اداعة .