إصلاح التعليم في موريتانيا: البداية من المناهج

مع إشراقة كل عام دراسي، تتجدد الدعوة لتبني إصلاح شامل لمنظومتنا التعليمية بوصفه واجباً وطنياً ملحاً، وضرورة تمليها الدراسات المقارنة مع دول تتشاطر معنا ظروفاً تنموية مشابهة. واليوم، وبعد أن بات جلياً أن نهضة الأمم ومستقبل أجيالها مرهونان بجودة مخرجاتها التعليمية، أجد لزاماً التوقف عند الركائز الأساسية التي لا غنى عنها لضمان نجاح واستدامة أي مشروع إصلاحي حقيقي.
شهدت موريتانيا على مر العقود سلسلة من الإصلاحات التعليمية المتعاقبة (1967، 1973، 1979، 1999)، وصولاً إلى إصلاح عام 2005 الذي أثار جدلاً واسعاً ولقي تحفظاً من دول الجوار. ورغم كثرة المنتديات التي أفضت إلى تأسيس المجلس الأعلى للتعليم، إلا أن العبرة ليست بتعدد اللجان، بل بفاعلية الإنجاز.
إن الإصلاح الفعلي يقتضي إرادة سياسية حازمة يقودها رئيس الجمهورية، مدعومة بمشاركة ميدانية لأصحاب الخبرة والاختصاص في شتى المراحل التعليمية. ويجب أن تتصدر تحديث البرامج الدراسية قائمة أولويات هذه الكفاءات؛ فكثير من مناهجنا الحالية قد تقادم ولم يعد قادراً على مواكبة التسارع المعرفي، مما حوّل المدرس – في ظل غياب التكوين المستمر – إلى مجرد ملقن لمعارف تجاوزها الزمن. فالمعلم الكفء ليس مجرد حامل لشهادة أكاديمية، بل هو باحث دائم التطور والتجديد.
وفي هذا السياق، وإذ نثمن الجهود المقدرة للدكتور الشيخ معاذ سيدي عبد الله مدير المعهد التربوي في تطوير الكتاب المدرسي إخراجاً وتوفيراً، فإننا نؤكد أن الكتاب يظل مجرد أداة ضمن منظومة أوسع، وأن مكمن الخلل الحقيقي يتجلى في المناهج ذاتها.
وأستحضر هنا تجربتي إبان رئاستي للجمعية الوطنية للتأليف والنشر، أثناء مراجعة كتاب العلوم الطبيعية للسنة السادسة العلمية؛ حيث سجلتُ للفريق المؤلف ملاحظات جوهرية حول الخلل المنهجي المتمثل في الانتقال المفاجئ من استعراض نظريات النشوء والارتقاء (كداروين ولامارك) والحديث عن قوانين الصدفة والعشوائية، إلى الاستشهاد المباشر بالآيات القرآنية دون تدرج منطقي أو معالجة فلسفية سليمة. هذا الأسلوب يخاطر بإحداث تشويش مفاهيمي عميق لدى الطالب، بدلاً من بناء رؤية إيمانية وعلمية متوازنة.
لقد قادتني تلك التجربة إلى طرح أسئلة أعمق حول الكون والحياة، وكانت الدافع الأساسي لتأليف كتابي: «معرفة الله: دلائل الحقائق القرآنية والكونية» (الفائز بجائزة شنقيط للدراسات الإسلامية عام 2003)، وكتاب «دين الفطرة: استنطاق الرياضيات والفيزياء بلغة إنسانية». وإذا كان هذا الخلل المنهجي قد رُصد في مادة واحدة، فكيف هو الحال في بقية المواد؟ إننا اليوم في أمس الحاجة إلى مناهج تضمن التدرج المعرفي، وتحقق التكامل بين التخصصات، وتواكب روح العصر.
تفرض مسألة لغة التعليم نفسها بقوة في أي مسار إصلاحي. لقد أدى الارتهان للنموذج الفرنكفوني إلى إبقاء أجزاء واسعة من منظومتنا أسيرة لمرجعيات فقدت قدرتها على مسايرة الطفرات العلمية العالمية.
وهنا تبرز التجربة الرواندية كنموذج ملهم في التحول السلس والناجح نحو اللغة الإنجليزية، إلى جانب تجارب إفريقية أخرى تحلت بالشجاعة لمراجعة خياراتها اللغوية. إن تغيير لغة التعليم ليس غاية في حد ذاته، بل هو جسر لربط مدرستنا بصناع المعرفة العالمية، مع الالتزام الراسخ بمكانة اللغة العربية بصفتها لغتنا الوطنية والرسمية، والوعاء الحاضن لهويتنا.
إن أي مسعى لإصلاح المنظومة التعليمية يظل قاصراً ما لم يُوضع المدرس في صدارة الاهتمام. فتحسين الأوضاع المادية والمعنوية للمدرسين، وتوفير برامج التكوين المستمر، وتهيئة بيئة عمل جاذبة، تتجاوز كونها مجرد مطالب نقابية عابرة؛ بل هي حجر الزاوية والضمانة الحقيقية للارتقاء بجودة المخرجات التربوية.
في هذا السياق، تبرز "المدرسة الجمهورية" ليس بوصفها محضناً تقليدياً للتلقين، بل كخيار استراتيجي يهدف إلى بناء وعي وطني سليم وتكريس العدالة وتكافؤ الفرص. وما زلتُ أحتفظ بنموذج حي ومشرق لهذا المفهوم الراقي عشته في مدينة ازويرات إبان ثمانينات القرن الماضي؛ حيث استطاعت البيئة العمالية المحيطة بـ الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM) أن تصهر أبناء الوطن بمختلف أطيافهم وشرائحهم تحت سقف مدرسي واحد، معيار التفاضل الوحيد فيه هو الجدارة والاجتهاد. لقد أثمرت تلك الروح التنافسية النزيهة جيلاً ذهبياً من الكفاءات الوطنية التي تألقت، بوجه خاص، في مجالات العلوم الدقيقة كالرياضيات والفيزياء.
إن إصلاح التعليم يمثل مشروعاً وطنياً شمولياً، يبدأ من التحديث الجذري للمناهج التربوية، ويمر حتماً برد الاعتبار للمعلم وتطوير لغة التدريس، وصولاً إلى صياغة مواطن مبدع ومؤهل للمنافسة. وحين نعهد بمهمة تطوير المناهج إلى كفاءاتنا الوطنية المخلصة، وننصف المدرس مادياً ومعنوياً، ونعزز مكانة لغتنا العربية بالتوازي مع الانفتاح الإيجابي على لغات العلم الحية، سنكون حينها قد وضعنا موريتانيا بخطى ثابتة على المسار الآمن نحو المستقبل المنشود
المرابط لخديم