حين يتحول الفكر إلى قالب جاهز

الشيوعية، في بعض تجاربها، لم تكن مجرد نظرية اقتصادية أو اجتماعية، وإنما تحولت إلى مدرسة في إنتاج نمط بشري متشابه في التفكير؛ يتلقى التلميذ فى صفوفها القوالب الجاهزة، ثم يعيد إنتاجها، حتى يصبح من الصعب أحياناً أن تميز بين أصوات المتحاورين: الأشخاص مختلفون، لكن الأفكار واحدة، والعبارات واحدة، والاستنتاجات تكاد تكون متطابقة .
وقد رصدت شيئاً من ذلك في النسخة الموريتانية من الماركسية الماوية. فعندما تحاور بعض المنتمين إلى هذا الاتجاه، تشعر أنك لا تحاور أفراداً متعددين بقدر ما تحاور خطاباً واحداً يتنقل من شخص إلى آخر.
يقال لك مثلاً إن أخطر ما تواجهه موريتانيا هو تمسك الدولة بهويتها العربية. فإذا قلت إن العربية هي لغة الغالبية الساحقة من السكان، لا يناقشك محاورك في هذه الحقيقة اللغوية، وإنما يطالبك بإحصاء إثني يثبت وجود أغلبية عربية، وكأن اللغة والانتماء الإثني شيء واحد، أو كأن حضور العربية في المجتمع لا يكتسب مشروعيته إلا من إحصاء عرقي.
وهنا تكمن أولى المفارقات: لماذا يُطلب من المدافع عن الهوية العربية أن يثبت حقه فيها، بينما لا يُطلب من غيره تقديم الدليل نفسه على مشروعية هويته؟
إن العربية في موريتانيا ليست وافداً سياسياً طارئاً، ولا مشروعاً استوردته دولة أجنبية، بل هي لغة ذات حضور غالب في المجتمع، ووعاء لتراثه الأدبي والعلمي، وامتداد حضاري وتاريخي متصل بمحيطه العربي والإسلامي. ومن ثم فإن الدفاع عن مكانتها ليس اختراعاً لهوية من العدم، بل دفاع عن حقيقة قائمة لا ينبغي أن تتحول إلى موضع اتهام.
ثم تنتقل الحجة إلى القول إن الدفاع عن البعد العربي للدولة يهدد الوحدة الوطنية والأمن الإقليمي في الساحل الإفريقي. وهكذا يتحول الانتماء الثقافي واللغوي من حقيقة اجتماعية إلى خطر أمني، لمجرد أن أصحابه يريدون الحفاظ على مكانته في الدولة.
لكن السؤال واضح: كيف يمكن لهوية الأغلبية أن تهدد الوحدة الوطنية لمجرد التعبير عنها، بينما لا يُنظر إلى إعلان الهويات الأخرى عن نفسها بالطريقة ذاتها؟
إذا كان التعبير عن الخصوصية الثقافية حقاً، فهو حق للجميع. وإذا كانت القومية خطراً على الوحدة، فلا يجوز أن تصبح القومية العربية وحدها متهمة بمجرد وجودها.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما ينتقل النقاش إلى المكونات الأخرى. فإذا اعترضت على بعض أنشطتها أو على ما تراه استقواءً بالخارج، قيل لك إن ذلك من حقها. فإذا سألت: وكيف يكون هذا حقاً لها وليس حقاً لغيرها؟ أصبح السؤال نفسه عنصرية، وتحول الدفاع عن المساواة في المعايير إلى تهمة.
وهذه ليست مساواة، بل اختلال في ميزان الحقوق.
فإذا كان للمكونات غير العربية حق في التعبير عن خصوصياتها، فمن حق غيرها التعبير عن خصوصيته أيضاً. وإذا كان من المشروع الدفاع عن لغة وثقافة فئة، فلا يجوز أن يصبح الدفاع عن لغة وثقافة فئة أخرى فعلاً عنصرياً.
أما حين يصل النقاش إلى مركزية العربية، فتظهر محاولة أخرى لإعادة صياغة المسألة: بدلاً من الاعتراف بمكانتها التاريخية والاجتماعية والحضارية في موريتانيا، يُطرح أحياناً توسيع الاعتراف الرسمي بلهجات إفريقية محلية غير مكتوبة، وكأن إنصاف هذه اللهجات لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة النظر في الموقع المركزي للعربية.
وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: لا يجوز أن تتحول حماية اللهجات المحلية إلى أداة لإعادة هندسة هوية الدولة على حساب العربية، كما لا ينبغي أن تتحول حماية العربية إلى ذريعة لحرمان المواطنين الآخرين من حقوقهم الثقافية.
فالمسألة ليست صراعاً بين لغات فحسب، وإنما تتعلق بتعريف الدولة نفسها: هل تستند إلى حقائقها التاريخية واللغوية والحضارية، أم يعاد تعريفها وفق مشاريع أيديولوجية تتجاوز الواقع القائم دون أن تقدم بديلاً واضح المعالم؟
والأخطر أن هذه الأفكار قد تدخل الحوار الوطني دون أن تحمل لافتة ماركسية أو ماوية صريحة. فقد تأتي في ثوب العدالة والمساواة والتعددية ومناهضة الهيمنة، ثم تؤدي عملياً إلى إعادة ترتيب مقومات الدولة وهويتها وفق تصور أيديولوجي منحاز.
وهنا يصبح التحذير أكثر إلحاحاً.
فإذا سادت هذه الأفكار في الحوار المنتظر، أمام أغلبية لا تملك مناعة حضارية وفكرية كافية لتحليلها ومناقشة افتراضاتها، فقد تمرر المخرجات بلغة تبدو محايدة، بينما هي في جوهرها إعادة ترتيب للهوية من منظور ماركسي شديد الانحياز إلى المجهول.
والمجهول هنا ليس مجرد المستقبل، وإنما مشروع يبدأ بالتشكيك في المسلمات التاريخية والاجتماعية، قبل أن يحدد بوضوح ما يريد أن يقيم مكانها. وهذه إحدى أخطر مراحل إعادة تشكيل المجتمعات: أن يُطلب منها التخلي عن الواضح قبل أن تعرف إلى أي مجهول تتجه.
ومن الخطأ أن يُستدرج المدافع عن الهوية العربية إلى موقع الاعتذار عنها، أو أن يُطلب منه تبرير وجودها ومكانتها، بينما تُطرح مشاريع أخرى باعتبارها حقوقاً لا تقبل النقاش. فالمطلوب ليس الامتياز لفئة على حساب أخرى، وإنما اعتماد معيار واحد في الاعتراف بالهويات والحقوق، بعيداً عن الانتقائية الأيديولوجية.
ومن هنا موقفي السياسي
من هذا المنطلق، أدعم ولاية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، أو استمرار النهج الذي يمثله عبر من يتبنى مشروعه الوطني؛ إيماناً مني بأن حماية استقرار موريتانيا وهويتها الوطنية، وصيانة حقوق جميع مكوناتها وأقلياتها، تتطلب قيادة تدرك حساسية التوازنات الاجتماعية وتديرها بعيداً عن المغامرات الأيديولوجية.
إنني لا أدعو إلى هوية تقصي غيرها، ولا إلى تعددية تنتهي بتفكيك مقومات الدولة، بل إلى موريتانيا تحافظ على شخصيتها التاريخية والثقافية، وتصون حقوق مواطنيها على قدم المساواة. وهذا خيار سياسي مشروع، لا يجوز الخلط بينه وبين العنصرية أو التحريض على الكراهية.
فالحوار الوطني الذي نريده هو الذي يعزز الدولة ويحمي توازنها، لا الذي يجعل التشكيك في هويتها مدخلاً لإعادة تشكيلها وفق قوالب أيديولوجية جاهزة. والأمة التي تدخل الحوار وهي تشك في حقها في تعريف نفسها، قد تخرج منه وقد عرّفها الآخرون.