موريتانيا والمغرب: حقائق التاريخ ومقتضيات القانون ومصالح المستقبل

مقدمة: نقاش أكبر من حجمه
أعادت تصريحات الدكتور أحمد الريسوني، الأستاذ الجامعي والرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، النقاش حول العلاقة التاريخية بين موريتانيا والمغرب، بما قد يُفهم منه تشكيك في استقلال موريتانيا أو اعتبارها امتدادا للمملكة المغربية.
ومع تقديري للمكانة العلمية للرجل، ينبغي التمييز بين الاجتهاد التاريخي الشخصي والموقف الرسمي للدولة المغربية؛ فالريسوني لا يمثل الحكومة المغربية، ولا يجوز أن تُنسب آراؤه تلقائيا إلى سياستها الخارجية.
ومع ذلك، كان من المفيد أن تتولى النخب المغربية توضيح المسألة من داخل بيئتها الفكرية والسياسية، تأكيدا لسلامة العلاقات بين البلدين وقطعا للطريق أمام التأويلات المثيرة للشكوك. وقد تناولت أقلام مغربية وموريتانية الموضوع بأساليب تفاوتت بين الحدة والهدوء، بينما أرى أن القضية لا تستحق كل هذه الضجة الإعلامية، ولا ينبغي أن تتحول إلى خلاف بين شعبين تجمعهما روابط الدين واللغة والتاريخ والجوار.
فالمغرب جار مسالم لموريتانيا، وموريتانيا دولة مستقلة ذات سيادة، ولا أرى في الواقع الراهن ما يبرر تصوير العلاقة بين البلدين باعتبارها صراعا على الوجود أو المجال. والأجدر بالنخب أن تنصرف إلى ما يخدم المصالح المشتركة، بدلا من إعادة إنتاج سجالات تاريخية تجاوزتها الظروف.
أولا: التاريخ مجال للبحث لا سند لإعادة فتح السيادة
لم تكن موريتانيا قبل استقلالها خالية من التصورات السياسية المتباينة بشأن مستقبلها؛ فقد ظهرت اتجاهات دعت إلى الوحدة مع مالي، وأخرى إلى الارتباط بالمغرب، إلى جانب الاتجاه الذي انتهى إلى قيام الدولة الموريتانية المستقلة.
وتؤكد هذه الوقائع أن مستقبل المنطقة كان موضوع اجتهادات سياسية متعددة، لا أن موريتانيا كانت ملكية سياسية مستقرة لطرف بعينه. وقد تجاوزت التحولات التاريخية تلك التصورات، واستقر الواقع على وجود دولتين مستقلتين تربطهما علاقات جوار ومصالح مشتركة.
إن استدعاء النقاشات القديمة لا يصلح، بمجرده، أساسا للطعن في استقلال موريتانيا أو إعادة طرح خيارات سياسية لم تعد تعبر عن الواقع القائم.
وفي هذا السياق، يكتسب مبدأ استقرار الحدود الموروثة عند استقلال الدول، المعروف في القانون الدولي بمبدأ uti possidetis juris، أهمية خاصة. وقد تناولته محكمة العدل الدولية في قضية النزاع الحدودي بين بوركينا فاسو ومالي سنة 1986، تأكيدا لأهمية استقرار الحدود ومنع تحول الاستقلال إلى مناسبة لإعادة فتح النزاعات الإقليمية. ولا يعني ذلك حسم كل حالة دون الرجوع إلى وثائقها واتفاقياتها الخاصة.
كما أن الروابط اللغوية والدينية والثقافية لا تنشئ، بذاتها، حقا في السيادة السياسية؛ فوحدة الحضارة لا تستلزم وحدة الدولة، واستقلال الدول لا يلغي وحدة الشعوب في ثقافتها وذاكرتها.
ثانيا: المغرب وموريتانيا بين الحقيقة السياسية والقراءة المتوجسة
لا أرى في المغرب اليوم دولة توسعية تسعى إلى إخضاع موريتانيا، كما لا أرى أن موريتانيا بحاجة إلى بناء سياستها الخارجية على افتراض وجود خطر مغربي يهدد استقلالها.
وهذا تقدير سياسي لا ينكر احتمال اختلاف المصالح بين الدولتين، ولا ينتقص من حق موريتانيا في الاحتياط لمصالحها؛ لكنه يميز بين الاحتياط المشروع وبين بناء المواقف على مخاوف وهمية كان يغذيها الا ستعمار لا تسندها الوقائع المتاحة.
إن العلاقة الطبيعية بين البلدين ينبغي أن تقوم على احترام السيادة المتبادلة، وحسن الجوار، والتعاون الاقتصادي والأمني، والتنسيق الإقليمي، مع احتفاظ كل دولة بحقها في اتخاذ قراراتها المستقلة.
ولا يحتاج المغرب إلى استدعاء تصورات تاريخية وحدوية لتأكيد مكانته، كما لا تحتاج موريتانيا إلى افتراض خصومة معه كي تثبت استقلالها. والآراء التي تستمر في قراءة العلاقة من خلال مرجعيات تاريخية أو أيديولوجية لا تخدم المصالح الموريتانية الراهنة ينبغي أن تُناقش بهدوء، وألا تتحول إلى مصدر دائم للتوتر.
فالمعيار هو المصلحة الوطنية الموريتانية، كما تحددها الوقائع والقانون وحسابات المستقبل، لا مجرد الولاء لتصورات سياسية تجاوزتها الظروف.
ثالثا: لماذا هذه الحساسية المفرطة تجاه المغرب؟
لا أفهم سر هذه الحساسية المفرطة لدى بعض النخب الموريتانية تجاه كل ما يصدر عن المغرب، حتى لو كان مصدره حسابات إلكترونية هامشية لا تمثل موقفا رسميا ولا تعبر بالضرورة عن الرأي العام المغربي.
لقد كانت للمغرب، قبل استقلال موريتانيا، مطالب وحدوية رآها مبررة من منظوره التاريخي والسياسي، لكنه تجاوز الخلاف بعد استقلال موريتانيا، واعترف بها دولة مستقلة سنة 1969. ثم عرف البلدان محطات من التعاون والخلاف، وتقاطعت مصالحهما في مواجهة تحديات إقليمية، من دون أن تنقطع علاقاتهما الدبلوماسية بفعل العواصف التي مرت بها المنطقة.
أليس في هذا المسار ما يستحق أن يُقرأ بموضوعية، بدلا من استحضار الماضي كلما صدر رأي مخالف؟
لقد تجاوزت فرنسا وبريطانيا قرونا من الصراعات إلى التفاهم والتعاون، ومضت فرنسا وألمانيا، بعد حروب مدمرة، إلى المصالحة التي جسدتها معاهدة الإليزيه سنة 1963، وأسهمت في بناء الشراكة الأوروبية.
فإذا استطاعت دول أوروبية تجاوز إرث ثقيل من العداء، فلماذا نظل أسرى حساسيات تستثيرها تصريحات لا تمثل بالضرورة سياسات الدول؟
إن النضج السياسي لا يعني تجاهل الاختلاف، بل وضعه في حجمه الصحيح، والتمييز بين الرأي الفردي والموقف الرسمي، وبين الذاكرة التاريخية ومقتضيات المصالح الراهنة. فالعلاقات الراسخة تُقاس بمسار الدول ومواقفها العملية، لا بكل ما يكتبه هذا الحساب الإلكتروني أو ذاك.
رابعا: ترسيم الحدود البرية والبحرية حق قانوني لا موقف عدائي
أما مسألة الحدود مع الصحراء الغربية، فلا ينبغي أن تُقرأ خارج إطارها القانوني والإقليمي، ولا أن يُحمّل أي تحرك موريتاني بشأنها دلالات سياسية تتجاوز غرضه المعلن.
فمن حق موريتانيا أن تسعى إلى تحديد حدودها وتوثيقها، وأن تطلب الإيضاح بشأن المسائل التي قد تؤثر في أمنها أو مصالحها الاقتصادية واختصاصاتها الإقليمية. وهذا الحق لا يتوقف على وجود نزاع مسلح، ولا يستلزم خصومة مع الدولة المجاورة.
وفي القانون الدولي، تستند الحدود البرية إلى الاتفاقيات والوثائق التاريخية والقواعد ذات الصلة باستقرار الحدود. أما الحدود البحرية، فتخضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما:
المادة 15: ترسيم البحر الإقليمي بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة.
المادة 74: ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بهدف التوصل إلى حل منصف.
المادة 83: ترسيم الجرف القاري بالغاية القانونية نفسها.
المادة 84: إيداع الخرائط والإحداثيات المتعلقة بالحدود البحرية وإشهارها وفقا لأحكام الاتفاقية.
وتؤكد هذه الأحكام أن الترسيم إجراء قانوني وفني يهدف إلى توضيح الاختصاصات وحماية الحقوق وتقليل احتمالات النزاع، وليس عملا عدائيا في ذاته.
كما يؤكد ميثاق الأمم المتحدة، في المادة الثانية، الفقرة الثالثة، وجوب تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، وتعرض المادة 33 وسائل متعددة لذلك، منها التفاوض والوساطة والتحكيم والتسوية القضائية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي مسعى موريتاني لتوضيح حدودها أو تثبيت حقوقها لا ينبغي تفسيره تلقائيا باعتباره اصطفافا ضد المغرب أو تأييدا للجزائر أو جبهة البوليساريو التى تحتضنها الجزائر .
أما الجهة الدولية التي يمكن اللجوء إليها وطبيعة الإجراء المطلوب، فيتوقفان على أساس الطلب والاختصاص القانوني المعني. ولذلك ينبغي التمييز بين حق موريتانيا في المطالبة بتوضيح حدودها، وبين نسبة اختصاص محدد إلى مؤسسة دولية من دون سند موثق.
والخلاصة أن من حق موريتانيا اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مصالحها، من دون أن يُحمّل ذلك دلالة عدائية لا تثبتها الوثائق.
خامسا: لكويرة بين التاريخ والواقع القانوني
تظل لكويرة من الملفات التي تستحق قراءة تاريخية وقانونية متأنية، بعيدا عن التوظيف الإعلامي وإثارة المخاوف المتبادلة.
فقد ارتبطت المنطقة تاريخيا بالمجال الاستعماري للصحراء الغربية، وتداخل وضعها مع التحولات التي عرفتها المنطقة قبل استقلال موريتانيا وبعده. غير أن وصف وضعها في مرحلة تاريخية معينة لا يكفي وحده لحسم مركزها القانوني الراهن؛ إذ يتطلب ذلك مراجعة الوثائق والاتفاقيات ذات الصلة، والتمييز بين السيادة القانونية والإدارة الفعلية والوجود الأمني.
ومن الناحية الموريتانية، ينبغي أن ينطلق التعامل مع وضع لكويرة من تقدير واقعي للمخاطر والمصالح، لا من افتراض أن كل تغير في وضع المنطقة يمثل تهديدا لموريتانيا.
فالأمن لا يتحدد بمجرد اسم السيادة أو الوصاية، وإنما بطبيعة السيطرة الفعلية، والالتزامات القانونية، والسلوك السياسي والعسكري، ومدى احترام المصالح الموريتانية.
وإذا كانت موريتانيا لا تخوض حربا مع المغرب ولا ترى فيه تهديدا توسعيا وشيكا، فلا مبرر لتحويل لكويرة إلى عنوان للخوف المتبادل أو إلى اختبار لولاء موريتانيا لهذا الطرف أو ذاك. والأجدر معالجة المسألة بالاستناد إلى الوثائق والقانون والتفاهمات الممكنة.
سادسا: موريتانيا ليست مطالبة بالاصطفاف ضد أحد
إن موريتانيا ليست في حرب مع المغرب، ولا أرى ما يبرر التعامل معه بوصفه خصما محتملا لمجرد اختلاف بعض المرجعيات الفكرية حول التاريخ المشترك. كما ينبغي أن تقوم علاقاتها مع الجزائر على حسن الجوار واحترام المصالح المتبادلة.
ليس من مصلحة موريتانيا أن تجعل أمنها رهنا بالتقارب مع دولة ضد أخرى، أو أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فالدولة الواثقة من سيادتها تستطيع أن تتعاون مع المغرب والجزائر معا، وأن تختلف مع أي منهما في قضية محددة من دون أن تنقلب العلاقة إلى خصومة شاملة.
ولا يعني الاستقلال العزلة أو الشك الدائم في الجيران، بل امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الوطني على أساس المصلحة، والاستناد إلى القانون عند الحاجة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع المحيط الإقليمي.
وموريتانيا لا تحتاج إلى من يحميها من المغرب، كما لا تحتاج إلى من يحميها من الجزائر؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات قوية، ودبلوماسية مستقلة، وقدرة على تقدير المخاطر الفعلية وإدارة الخلافات بالوسائل القانونية والسياسية المتاحة.
وهذه الرؤية لا تمنع التحفظ عند الضرورة، لكنها ترفض تحويله إلى عقيدة سياسية دائمة، أو جعل الخوف من الجيران أساسا للعلاقات الخارجية.
خاتمة: مصالح المستقبل أولى من سجالات الماضي
إن العلاقة بين موريتانيا والمغرب أكبر من أن تختزل في تصريح فردي، أو قراءة تاريخية خلافية، أو سجال إعلامي يتجاوز حجمه الحقيقي.
فموريتانيا دولة مستقلة ذات سيادة، والمغرب جار مسالم تربطه بها روابط تاريخية وثقافية ومصالح مشتركة. ولا يوجد ما يوجب تحويل الاختلاف في قراءة الماضي إلى خلاف على شرعية الحاضر.
أما المسائل الحدودية، البرية منها والبحرية، فمكانها الطبيعي هو القانون والوثائق والتفاهمات الدبلوماسية، لا المزايدات السياسية. ومن حق موريتانيا أن تحمي مصالحها وأن تطلب الوضوح القانوني حيث تدعو الحاجة، من دون أن يُفسر ذلك باعتباره عداء للمغرب أو انحيازا إلى خصومه.
إن النخب المسؤولة هي التي تميز بين الرأي الشخصي والموقف الرسمي، وبين التاريخ والحقوق القانونية الراهنة، وبين الحذر المشروع وصناعة المخاوف. وهي التي تدرك أن العلاقات المستقرة لا تُبنى بتكرار الخصومات القديمة، وإنما بالاعتراف المتبادل بالسيادة واحترام المصالح المشتركة.
لسنا في حالة حرب مع المغرب ونرفض الاصطفاف ضده عبارة تكررت فى هذا النص عن وعي عميق ، ولا نرى فيه تهديدا توسعيا يستدعي الخوف، ولا نريد مجنًّا يحمينا منه؛ وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن يحكم نظرتنا إلى الجزائر أيضا. نريد موريتانيا قوية باستقلال قرارها، واثقة من سيادتها، منفتحة على جيرانها، لا تعادي أحدا بلا سبب، ولا تتنازل عن مصالحها إرضاء لأحد.
فتلك هي السياسة التي تخدم موريتانيا: لا الارتهان لمرجعيات تعيد إنتاج خلافات الماضي، ولا الانجرار وراء سجالات لا تقدم حلا لمشكلة قائمة، بل الاحتكام إلى القانون، واحترام حقائق الحاضر، وبناء علاقات مغاربية مستقرة يكون فيها التعاون اختيارا سياديا، لا نتيجة خوف أو ضغط.